عبدالعزير بخات المحامي 

والمدافع عن حقوق الإنسان 

 

 

منذ عام ١٩٥٥ قبل إعلان الاستقلال بقليل دخل السودان في دائرة صراع مسلح ظل يتجدد ويتحول عبر العقود حتى انفجر من جديد في حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣ ورغم اختلاف الأزمنة والسلطات وتبدل الشعارات فإن القراءة المتأنية لمسار التاريخ السوداني تكشف حقيقة واضحة وهي أن ما جرى ويجري ليس حروبا منفصلة بل حرب واحدة طويلة بأسماء متعددة وسياقات مختلفة لكنها في جوهرها تعبير عن أزمة الدولة السودانية منذ نشأتها

 

بدأت أولى فصول هذه الحرب في جنوب السودان عندما اندلع التمرد المسلح في عام ١٩٥٥ نتيجة تراكمات سياسية وإدارية وشعور قطاعات واسعة بالتهميش وعدم المشاركة في السلطة والثروة ومع السنوات تحولت المواجهات إلى حرب مفتوحة استنزفت البلاد لعقود طويلة وانتهت في إحدى مراحلها باتفاقية أديس أبابا عام ١٩٧٢ التي أوقفت القتال لفترة لكنها لم تعالج جذور الأزمة المرتبطة بطبيعة الدولة المركزية وهيمنة النخب السياسية في المركز على بقية الأقاليم

 

ثم عادت الحرب مرة أخرى في عام ١٩٨٣ عندما انهارت ترتيبات السلام وتجدد الصراع بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان واتخذت الحرب في تلك المرحلة أبعادا أوسع حيث ارتبطت بقضايا الهوية وتقاسم السلطة والثروة ومستقبل الدولة السودانية نفسها واستمرت الحرب حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل عام ٢٠٠٥ التي مهدت لاحقا لانفصال جنوب السودان في عام ٢٠١١ وهو الحدث الذي كان يفترض أن يكون لحظة مراجعة عميقة لمسار الدولة السودانية لكنه لم يتحول إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء الدولة

 

في عام ١٩٨٩ حدث تحول مفصلي آخر في مسار الحروب السودانية عندما استولت الحركة الإسلامية على السلطة عبر انقلاب عسكري وأعادت صياغة الصراع بخطاب أيديولوجي جديد حيث جرى تصوير الحرب في الجنوب وفي مناطق أخرى باعتبارها حربا دينية وتعبئة سياسية مما أدى إلى تعميق الانقسام داخل المجتمع السوداني وتحويل الصراع من مطالب سياسية وتنموية إلى صراع أكثر تعقيدا وخطورة

 

في تلك الفترة توسعت دائرة الحرب لتشمل أقاليم أخرى من السودان فقد اندلع الصراع في جبال النوبة والنيل الأزرق وظهرت حركات مسلحة تطالب بالعدالة السياسية والتنمية المتوازنة ثم انفجرت حرب دارفور في عام ٢٠٠٣ التي كشفت بصورة قاسية عمق الأزمة السودانية حيث تداخلت فيها العوامل السياسية والاقتصادية والقبلية وتعرض المدنيون لانتهاكات واسعة النطاق وأصبحت دارفور واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم في ذلك الوقت

 

ومع تعدد هذه الحروب تغيرت أسماؤها وفقا للخطاب السياسي للسلطة أو لطبيعة المرحلة فمرة تسمى حرب الجنوب ومرة حرب جبال النوبة ومرة حرب النيل الأزرق ومرة حرب دارفور ثم ظهرت لاحقا تسميات جديدة مثل حرب الكرامة لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن كل هذه التسميات تشير إلى مأساة واحدة هي استمرار الحرب داخل السودان بين أبناء الوطن الواحد

 

المفارقة المؤلمة في هذه الحروب أن الدولة السودانية كانت في كثير من الأحيان طرفا أساسيا في إدارتها وتمويلها فقد جرى توجيه موارد البلاد الاقتصادية والعسكرية لخوض صراعات داخلية طويلة بينما كان العنصر البشري الرئيسي في هذه الحروب هو المواطن السوداني نفسه فالجندي الذي يقاتل هو ابن هذا الوطن والضحية التي تسقط هي أيضا من أبناء هذا الوطن والقرى التي تحترق والمدن التي تدمر كلها جزء من الجغرافيا السودانية

 

وهكذا أصبحت الحرب دائرة مغلقة يقتل فيها السوداني السوداني وتستنزف فيها موارد البلاد وتتمزق فيها الروابط الاجتماعية بينما تتغير الشعارات واللافتات السياسية دون أن يتغير جوهر الأزمة المرتبط بطبيعة السلطة وتوزيع الثروة وغياب العدالة السياسية وضعف مؤسسات الدولة

 

ثم جاءت حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣ لتكشف مرة أخرى هشاشة الدولة السودانية عندما تحول الصراع داخل مؤسسات القوة نفسها إلى حرب مفتوحة داخل المدن والقرى وأصبحت البلاد ساحة معركة واسعة يدفع ثمنها المدنيون الأبرياء وتتعرض فيها الدولة لخطر التفكك والانهيار

 

إن قراءة هذا التاريخ الممتد منذ عام ١٩٥٥ حتى اليوم تقود إلى نتيجة واضحة وهي أن استمرار الحرب في السودان لم يكن قدرا حتميا بل كان نتيجة خيارات سياسية خاطئة وفشل متكرر في بناء دولة تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة حكم القانون

 

كما أن مسؤولية إنهاء هذه الدائرة المدمرة لا تقع على عاتق النخب السياسية والعسكرية وحدها بل هي مسؤولية مشتركة يتحملها المجتمع السوداني كله لأن استمرار الخطاب المحرض على الحرب أو الصمت عن انتهاكاتها يساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إطالة أمد المأساة

 

لقد آن الأوان للشعب السوداني أن ينظر بصدق وشجاعة إلى هذه الحقيقة المؤلمة وأن يدرك أن دماء أبنائه أغلى من كل الشعارات السياسية وأن احترام أرواح السودانيين يجب أن يكون القيمة العليا التي يتفق عليها الجميع

 

إن الطريق نحو المستقبل لا يمكن أن يمر عبر استمرار الحرب أو إعادة إنتاجها تحت مسميات جديدة بل يبدأ بالاعتراف بأن السودان يحتاج إلى عقد وطني جديد يؤسس لدولة محترمة تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية واحترام التنوع وسيادة حكم القانون

 

دولة لا يكون فيها السلاح وسيلة للسياسة ولا تتحول فيها مؤسسات الدولة إلى أدوات للصراع بل تكون مؤسسات لخدمة المجتمع وحماية الحقوق وضمان المشاركة العادلة لكل أبناء الوطن في إدارة شؤون بلادهم

 

عندها فقط يمكن أن يتحول تاريخ الحرب الطويل إلى درس قاس من دروس الماضي لا إلى قدر يلاحق الأجيال القادمة ويستنزف طاقة الوطن بلا نهاية

 

 

نواصل

بمشيئة الله

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *