سعد الدين الماحي

 

في حدث تاريخي، وربما هو غير مسبوق منذ احتفاء السودانيين بالرئيس الأمريكي السابق (رونالد ريغان)، حينما امتدت يد الإغاثة الأمريكية لتطعم السودانيين إبان المجاعة التي أعلنت في العام (1983)، شهد إقليم دارفور، تظاهرات حاشدة احتفاء بتصنيف الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية من قبل الخارجية الأمريكية، رُفعت فيها صور الرئيس دونالد ترامب مع عبارات الشكر والامتنان لإصداره القرار، والذي كان في جوهره إحقاقاً للحق بعد طول انتظار.

 

ويدخل اليوم الاثنين الموافق للسادس عشر من مارس قرار الخارجية الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان – الحركة الإسلامية – كجماعة إرهابية حيز التنفيذ، بالتزامن مع تظاهرات جماهيرية كبيرة ترحيباً بالقرار الأمريكي انتظمت مدينة الضعين في ولاية شرق دارفور.

 

ورفع المتظاهرون صوراً للرئيس الأمريكي مع عبارة (شكراً ترامب) للمرة الثانية بعد تظاهرات نيالا الأسبوع الماضي، وشعارات مناهضة للإخوان منها (كتيبة البراء بن مالك جماعة إرهابية)

 

وأظهر الآلاف من المواطنين الذين جابوا شوارع مدينتي نيالا والضعين، تحولاً جذرياً في المزاج الشعبي السوداني تجاه المجتمع الدولي بعد سنوات من تصوير التنظيم الإخواني في السودان برئاسة المخلوع البشير، الولايات المتحدة على أنها (عدو استراتيجي)، ليأتي رفع صور رئيسها اليوم كإعلان شعبي عن سقوط تلك السردية، واستبدالها برؤية ترى في واشنطن (شريكاً في محاربة الإرهاب).

 

بات عدد مقدر من السودانيين يرى في الضغط الأمريكي وسيلة (وحيدة) لتحجيم الحركة الإجرامية التي (تخاف ولا تستحي)، والتي وصل عدد ضحاياها لملايين المدنيين من جنوب السودان قبل استقلاله، مروراً بجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وجبال النوبة ودارفور، وصولاً لحرب أبريل الحالية، والتي أشعلوها بغرض العودة للسلطة على الجثث والجماجم.

 

وينظر السودانيون خارج مناطق سيطرة الجيش للقرار الأمريكي باعتباره اعترافاً بمعاناة ضحايا الحروب في دارفور، وتأكيداً على أن المجموعات المسلحة التابعة للإسلاميين ومنها مليشيا (البراء بن مالك)، باتت تحت المجهر الدولي.

 

ومن الواضح أن التصنيف الأمريكي يعزل دعاة استمرار الحرب في السودان سياسياً بعد استهدفه النواة الصلبة للإسلاميين داخل مفاصل الدولة والجيش. وهو ما أكد على ضرورته المتظاهرون، بهدف تجفيف منابع تمويل وتسليح المجموعات العقائدية.

 

ويتناغم هذا الحراك الشعبي مع توجهات دول الخليج، التي ترى في الإخوان المسلمين خطراً على استقرار المنطقة. كما تعكس التظاهرات رغبة المواطنين في هذه المناطق في إضفاء بعد دولي لموقفهم المناهض للإسلاميين، لتوضع حرب السودان في موضعها الصحيح كجزء من الحرب العالمية على الإرهاب.

 

ومن المعلوم أن إقليم دارفور قد دفع الثمن الأكبر لسياسات نظام الإخوان المسلمين طوال ثلاثة عقود، ولذا يرى المتظاهرون أن تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية هو الخطوة القانونية الأولى لملاحقة قادة النظام السابق الفارين من العدالة الدولية، والذين ارتكبوا بحقهم المجازر والإبادات الجماعية والانتهاكات.

 

وعبرت الجماهير خلال التظاهرات عن رفضها لتحويل منطقتهم إلى ساحة نفوذ إيرانية، عطفاً على إشارة القرار الأمريكي صراحة، إلى التعاون بين إخوان السودان والحرس الثوري الإيراني، في انتقال مهم من خطاب (السيادة الوطنية) الزائف والمنغلق والذي لم يسمع غيره لعقود، إلى خطاب (الشراكة الدولية).

 

ومما لا شك فيه أن قادة الحركة الإسلامية يجدون أنفسهم اليوم في عزلة شعبية ودولية متزايدة منذ صدور القرار وحتى دخوله حيز التنفيذ، مما يصعب عليهم تسويق خطاب (الوطنية) المكرور. كما إن الزخم الشعبي المؤيد للقرار، يُعطي إدارة ترامب (ضوءاً أخضر) للاستمرار في فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية مشددة، على الكيانات المرتبطة بالإخوان.

 

 

إن رفع صور الرئيس الأمريكي في مدن دارفور (المكلومة) بجرائم الإخوان ليس مجرد احتفاء عابر بالعدالة التي لاحت بشائرها في الأفق، بل هو إعادة تموضع سياسي للشارع في غرب السودان، وإعلان صريح عن نهاية حقبة (التمكين) الإخواني، وبداية مرحلة يراهن فيها السودانيون على الضغط الدولي لإعادة تشكيل مستقبل بلادهم، بعيداً عن أيديولوجيات الماضي التي اختطفت البلاد منذ انقلاب الإخوان في العام 1989، وجعلتها رهينة للتنظيم العالمي، تسبح بحمد الولي الفقيه في إيران، وتذبح السودانيين على الطرقات، تنفيذاً لقانون الوجوه الغريبة.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *