بقلم: آدم الحاج عبدالله عبدالرحمن أديب مركز شركاء التغيير والمستقبل للدراسات الاستراتيجية تقف الإدارة الأهلية اليوم على مفترق طرق حاسم، بين إرث تاريخي عميق ومتغيرات معاصرة تفرض نفسها بقوة، ومستقبل لا يمكن تشكيله إلا بإعادة تعريف دورها ووظيفتها في الدولة والمجتمع. فقد كانت الإدارة الأهلية في الماضي إحدى ركائز الضبط الاجتماعي، تقوم على الحكمة والتقاليد، وتسهم في حل النزاعات وبناء التماسك داخل المجتمعات المحلية، خاصة في البيئات الريفية والهامشية التي غابت عنها مؤسسات الدولة الحديثة. لكن هذا الدور، رغم أهميته التاريخية، لم يسلم من التسييس والتوظيف خلال فترات مختلفة، حيث جرى استغلال الإدارة الأهلية كأداة للسلطة، مما أضعف استقلاليتها وأفقدها جزءًا من مشروعيتها. ومع تعقّد الأزمات السياسية والنزاعات المسلحة، تراجعت ثقة بعض المجتمعات في قدرتها على أداء دور محايد وعادل. وفي هذا السياق، تبرز إشكالية بالغة الخطورة تتمثل في انزلاق بعض مكونات الإدارة الأهلية إلى مربع التوظيف السياسي المرتبط بالتعبئة، بل والزج بأفراد مجتمعاتها في أتون الصراعات والمحارق، بدلاً من الاضطلاع بدورها الطبيعي في ترسيخ قيم التعايش وبناء السلام. هذا الانحراف لا يهدد فقط حياد الإدارة الأهلية، بل يقوّض الأساس الأخلاقي الذي قامت عليه، ويحوّلها من صمام أمان اجتماعي إلى عامل توتر وعدم استقرار. كما يواجه نظام الإدارة الأهلية اختلالًا واضحًا في معايير الشرعية والاستحقاق، حيث أصبح اللقب الأهلي في بعض الحالات عرضة للتكاثر غير المنضبط؛ فكل من امتلك نفوذًا أو طموحًا شخصيًا يسعى لأن يكون عمدة أو ناظرًا أو أميرًا، دون مراعاة للأعراف والقيم أو شروط الأهلية التاريخية. هذا الواقع أفرز خللًا بنيويًا خطيرًا: كَثُر القادة وقلّت الحلول، وتعددت المرجعيات وضعف تأثيرها، مما أربك المجتمعات المحلية وأضعف قدرتها على إدارة النزاعات. في الحاضر، نجد أن الإدارة الأهلية تعيش حالة من التحدي المزدوج: من جهة، هناك حاجة ملحّة لإحيائها كآلية محلية فعّالة لحل النزاعات وتعزيز السلم الاجتماعي، ومن جهة أخرى، هناك ضرورة لإصلاحها وتحديثها لتواكب مفاهيم الدولة الحديثة، القائمة على سيادة القانون والمؤسسات. أما المستقبل، فيتطلب رؤية أكثر حسمًا ووضوحًا. ليس المطلوب إلغاء الإدارة الأهلية ولا تركها على حالها، بل إعادة هيكلتها ضمن إطار قانوني صارم يحدد صلاحياتها، ويضبط معايير التمثيل والقيادة، ويمنع التسييس والانفلات. وهنا تبرز مسؤولية حكومة الوحدة والسلام (تأسيس) في التدخل عبر تشريعات واضحة من خلال مؤسسات الحكم المحلي، لوضع حد لهذا التنافس المغلف بطموحات انتهازية، وإعادة الاعتبار لقيم الأهلية والاستحقاق. الإدارة الأهلية يمكن أن تكون جسرًا بين الماضي والمستقبل، إذا ما أُعيد تعريف دورها على أساس الكفاءة والتمثيل الحقيقي والشفافية. أما إذا استمرت في دائرة التوظيف والاختلال، فإنها قد تتحول من عنصر استقرار إلى عبء على مشروع الدولة. على تخوم التغيير، لا مجال لأنصاف الحلول؛ فإما إصلاح حقيقي يعيد للإدارة الأهلية مكانتها، أو استمرار التآكل حتى تفقد دورها بالكامل. الخيار ليس نظريًا، بل مسألة تتعلق بمستقبل المجتمعات واستقرارها. شارك تصفّح المقالات الإمارات في مواجهة شبكات الإرهاب: دور حاسم في حماية استقرار السودان وتعزيز أمن المنطقة تمرد حركات الإرتزاق أم انقلاب العطا !!؟