عبدالعزير بخات المحامي 

والمدافع عن حقوق الإنسان

 

 

ما يجري اليوم ليس مجرد تناقض في الروايات بل انكشاف كامل لبنية ظلت تعمل في الظل وتدير المشهد من وراء ستار

تصريحات منسوبة لقيادات اسلامية تكشف بوضوح حجم التلاعب بمؤسسات الدولة واختراقها وتحويلها إلى أدوات حزبية تخدم مشروعا ضيقا لا علاقة له بالوطن ولا بالشعب

 

سناء حمد تتحدث بثقة عن تكليف مباشر بالتحقيق مع قادة الجيش ورفع تقاريرهم للحزب وكأن المؤسسة العسكرية مجرد فرع تنظيمي يتبع لجماعة سياسية لا لدولة ذات سيادة

وامين حسن عمر يقر بأن البرهان اسلامي وكان رئيسا للمؤتمر الوطني في الولاية في محاولة لتأكيد الارتباط العضوي بين القيادة العسكرية والحركة الاسلامية

 

يوسف كبر يذهب ابعد من ذلك حين يصف الرجل بأنه بواب تم تكليفه لتصفية الثورة واعادة السلطة وهو توصيف لا يهين فردا بقدر ما يكشف طريقة تفكير ترى الدولة غنيمة والجيش اداة تنفيذ

عبد الحي يوسف يختصر المشهد بصورة اكثر فجاجة حين يصف البرهان بالتافه ويؤكد السيطرة حتى على مكتبه معتبرا ان الحرب اعادت لهم الحضور والنفوذ

 

الناجي عبد الله يسخر من تاريخ الرجل داخل الجيش ويشكك في وزنه العسكري بينما المصباح طلحة يقدم صورة اكثر خطورة عن اختلال ميزان المعرفة والتدريب حين يقول ان عناصرهم كانوا يتدربون على اسلحة حديثة بينما الجيش يتفرج

 

هذه الاقوال ان صحت فهي ليست مجرد اساءات شخصية بل ادلة سياسية خطيرة على اختراق ممنهج للمؤسسة العسكرية وعلى وجود سلطة موازية تتحكم في القرار السيادي وتوجهه وفقا لاجندتها

وهي ايضا تعكس استهتارا غير مسبوق بالدولة وهيبتها حين يصبح ضابط برتبة عميد ركن عرضة للمحاسبة خارج اطار القانون وعلى يد شخصيات لا تملك اي صفة رسمية

 

ثم تأتي الرواية التي تقول ان اول خطوة بعد الخروج من السرداب كانت التوجه لتقديم الطاعة لاحد قادة الجماعة لا لقيادة الجيش لتؤكد ان معيار الولاء لم يكن يوما للوطن بل للتنظيم

 

واذا استحضرنا تاريخ التصريحات التي اطلقها قادة مثل نافع وعلي عثمان وغيرهم تجاه الثورة والثوار سنجد نفس الخطاب القائم على التخوين والاستعلاء والانكار وكأن الشعب لا قيمة له الا بقدر ما يخدم مشروعهم

هؤلاء الذين وصفوا الثورة بالمؤامرة وحاولوا كسر ارادة الجماهير هم ذاتهم الذين تكشف اقوالهم اليوم عن حقيقة مشروعهم القائم على السيطرة لا المشاركة وعلى التمكين لا العدالة

 

ومن زاوية قانونية صرفة فإن ما ورد من تدخلات مدنية مباشرة في الشأن العسكري لا يمكن تفسيره الا باعتباره خرقا صريحا لأحكام قانون القوات المسلحة السودانية الذي وضع اساسا لحماية المؤسسة العسكرية من الاختراق والتسييس

القانون يجرم بشكل واضح اي تدخل من غير ذي صفة في اعمال القوات المسلحة او التأثير على قراراتها او قياداتها كما يجرم انتحال الصفة العسكرية او ممارسة اي سلطة داخل المؤسسة دون سند قانوني

كما ينص على ان القيادة والسيطرة داخل القوات المسلحة تخضع لتسلسل هرمي صارم لا يجوز تجاوزه او العبث به تحت اي مبرر سياسي او تنظيمي

ويعتبر اي تواصل او توجيه يصدر من جهة مدنية غير مخولة تدخلا غير مشروع يعرض اصحابه للمساءلة الجنائية لما يمثله من تهديد مباشر للأمن القومي

 

وبالتالي فإن اي حديث عن تحقيقات يجريها مدنيون مع ضباط او توجيه قيادات عسكرية او محاسبتها خارج الاطر الرسمية يدخل في دائرة التجريم لا الجدل السياسي

بل يرقى الى مستوى تقويض النظام الدستوري وتهديد سلامة الدولة نفسها

 

الشعب السوداني الذي دفع اثمانا باهظة من الدماء والمعاناة لم يعد تنطلي عليه هذه الاقنعة

بل بات يدرك ان المعركة ليست بين اشخاص بل بين مشروع دولة ومشروع جماعة

بين من يريد وطنا يسع الجميع ومن يريد سلطة يحتكرها القليل

 

هذه النصوص والتصريحات تضع الجميع امام مسؤولية قانونية واخلاقية تستوجب التحقيق والمساءلة لا على مستوى الافراد فقط بل على مستوى البنية التي سمحت بهذا الاختراق

لان دولة لا تحمي مؤسساتها من التسييس والانتهاك هي دولة تفتح الباب لانهيارها بيد من يفترض انهم حراسها

 

 

 

نواصل

 

بمشيئة الله

بتاريخ

21 مارس 2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *