الجميل الفاضل في ساعاتٍ مثقلةٍ بالدماء والدمار، من مارس 2026، تنوء الأرض بحملها، ويبدو—فيما أرى—أن السماء قد أمسكت هي الأخرى بخيوط الكون كلّه، بقبضةٍ من نورٍ وقبضةٍ من نار. فما يحدث الآن ليس مجرد حرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران فحسب، بل بلاءٌ شاملٌ يطال الجميع، يعبّر عن غضبٍ يتجاوز الحدود والأعلام والصواريخ. في هذا اليوم وحده: صواريخ عنقودية تمطر ريشون لتسيون وتل أبيب، وضربات جوية قد تُحوِّل منشآت نطنز وجزيرة خارك إلى رماد. النفط يغلي فوق مائة واثني عشر دولارًا، وأزمة مضيق هرمز تُصيب الفقراء قبل الأغنياء. الفيضانات تغمر كينيا، والعواصف تعصف بأمريكا. كأن الكون كلَّه يئنّ من ثقل خطاياه الجماعية، ما نعرفه منها وما لا نعرف. ذلك أن هذا الغضب، الذي يتجلّى في تقلبات حربٍ صعبة المراس، غريبة الأطوار، لم ينشأ من فراغ؛ خاصةً وقد جاءت بعد أن بلغ السيل زُّبى، ما كشفته وثائق ما عُرف بـ”جزيرة الشيطان”، لمالكها “جيفري إبستين”، تلك الصفحات والصور والتسجيلات التي أُفرج عنها مؤخرًا من وزارة العدل الأمريكية، لتكشف عن شبكات ظلمٍ للكبار، في أبشع صور لإستغلال الأطفال والصغار، وتورّط شخصيات عامة نافذة، أثار سلوكها صدمةً عالمية، وغضبًا شعبيًا، وتساؤلاتٍ مريرة عن الإفلات من العقاب. وفيما لا يزال نتنياهو يرى في جنكيز خان قدوةً، أفضل من المسيح. يظنّ ترامب أن قوته “لا مثيل لها في العالم”، لا يرى سواها، كأنه يصرخ في غرورٍ أجوف، وتحدٍّ فرعونيٍّ فاجر: “أنا ربكم الأعلى”. بينما يقول الخالق: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ”. هذا قانونٌ كونيٌّ لا يُخالف. لكن ما دامت القلوب قاسية، والنفوس مفعمة بالظلم، والأيدي ممدودة إلى الشهوات، فإن هذا البلاء ليس عقابًا عشوائيًا يُسقط الجميع في هاوية اليأس، بل تذكيرٌ صارخ بأن التغيير يبدأ من الداخل: من توبةٍ نصوحٍ تغسل الصدور، من إصلاحٍ يردّ المظالم، من رفضٍ مطلقٍ للطغيان—أمريكيًا كان أم إيرانيًا أم إسرائيليًا، ومن عودةٍ إلى معنى أن الله لا يُهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون. إذ حين يبلغ الظلام ذروته، ويغدو غير محتمل، فإنه يُجبر القلوب على النظر إلى داخلها، لا إلى خارجها. يجعلها تحدّق في أعماق الجرح، فوقت ينهار كل ما بناه الإنسان من كبرياءٍ زائف، وقوةٍ وهمية، ينكشف له فراغ ما هو فيه. في تلك اللحظة، حين يظنّ أنه فقد كل شيء، قد يمنحه الله كل شيء. عندما تُدمَّر القلاع، وتُحرق الأوهام، وتسقط الأقنعة، لا يبقى إلا نور وبرد اليقين. انظر إلى يوسف: في الجبّ المظلم، يُباع عبدًا، يُسجن ظلمًا، ثم يصبح عزيز مصر، ومنقذا للناس من الجوع. فالجبّ الذي بدا قبرًا، كان سلّمًا إلى العرش. وأيوب: في البلاء الطويل، يتآكل جسده، ويُفقد أهله، ثم يُردّ إليه كل ما فقده وأكثر جزاءً لصبره، ورحمةً من عند الله. ويونس: في ظلمات ثلاث—البحر، والليل، وجوف الحوت—يناجي ربه: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”، فالظلام الذي بدا موتًا كان بارقة أمل ونجاة. ونوح: يدعو قرونًا فيُكذَّب، ثم يأتي الطوفان، فينجو هو ومن آمن معه، ليكونوا بدايةً خلق جديد. ونبينا محمد: في عام الحزن، يفقد الأحبة، ويُؤذى ويُطرَد، ثم يُعرج به إلى سبع سماوات. هذه القصص ليست بعيدةً عنا؛ إنها تتكرر في نبض الحاضر كذلك. في بلائنا اليوم—في الحروب، والكوارث، والجوع، والخوف— ربما يكون هذا الظلام هو الجبّ الذي نُلقى فيه، أو بطن الحوت الذي نُحبس فيه، أو عام الحزن الذي نعيشه، ليُعدّ الله لنا فرجًا أعظم، وهدايةً أوسع، وتوبةً جماعية تعيد التوازن إلى الأرض. من غبار السودان، إلى دخان طهران، ومن أنقاض غزة، إلى حرائق أوكرانيا، إلى أزمات أوروبا— هذا البلاء ليس نهاية، بل دعوة. دعوةٌ لأن نغيّر ما بأنفسنا، قبل أن يُغيّر الله ما بنا. ومدخلٌ لبناء عالمٍ لا يُمجّد جنكيز خان، بل يسير على هدي الأنبياء. فإن فعلنا، كشفت السماء عن نورٍ جديد، وهدأ غضب النفوس الثائرة، قبل أن تعود البركة تغمر الأرض، كالمطر بعد القحط. شارك تصفّح المقالات علي تخوم التغيير (حصاد الأسبوع) السودان في مجهر “التصنيف”: تفكيك اللعبة السياسية بين الداخل والعمق الإقليمي