بقلم _إيهاب مادبو

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، جاء إعلان الحرس الثوري الإيراني تأجيل التصعيد العسكري لمدة أسبوع ليطرح العديد من التساؤلات المهمة،فبينما سعت طهران إلى تقديم الخطوة باعتبارها جزءًا من إعادة ترتيب تكتيكي، فإن القراءة المتأنية تكشف عن مزيج معقد من الضغوط، والرسائل المزدوجة، وحدود القدرة على الاستمرار في مسار التصعيد المفتوح.

ظاهريا، يبدو القرار وكأنه استراحة محسوبة لإعادة تنظيم الصفوف وتعزيز الجاهزية، غير أن هذا التفسير لا يصمد كاملا أمام مؤشرات الواقع الميداني والسياسي. فالإشارة إلى “لملمة التداعيات” توحي بأن الضربات الأخيرة لم تكن بلا أثر، وأن ثمة كلفة حقيقية دفعت إلى التريث.

بهذا التفسير، قد لا يكون التأجيل خيارا استراتيجيا بقدر ماهو استجابة اضطرارية لظروف ضاغطة، والأكثر لفتا للانتباه هو التناقض في الرسائل الإيرانية؛ إذ يتزامن الإعلان عن التأجيل مع التلويح بمضاعفة الهجمات لاحقا.

هذا الخطاب المزدوج يعكس محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين الردع وتجنب التصعيد الشامل، لكنه في الوقت ذاته قد يضعف خطاب التهديد الإيراني. فالصحيح قراءته من هذه الخطوة محاولة من طهران لإستعادة انفاسها من الضربات الامريكية الموجعة والتي اصابت اهدافها بدقة.

ولذلك فإن طهران تحاول من ناحية إمتصاص الصدمة ، ومن ناحية أخري تجميع قواها المنهارة في الإستجابة للبعد التفاوضي كعامل يتيح لطهران الحفاظ علي ماتبقي من أنقاض مشروعها الهلامي.

فالتأجيل إذن يفتح نافذة زمنية للتحرك السياسي، سواء عبر قنوات مباشرة أو غير مباشرة. إلا أن هذه النافذة لا تنبع بالضرورة من موقع قوة، بل قد تعكس حاجة إلى تخفيف الضغوط الدولية وإعادة ضبط العلاقات الإقليمية.

وهنا يتحول “التصعيد المؤجل” إلى أداة تفاوضية بقدر ما هو خيار عسكري مؤجل، لكن في المقابل فإن إدارة الوقت ليست بلا مخاطر. فالفترة الفاصلة قد تشهد تصعيدا غير منضبط من أطراف الحرب بإستغلال حالة العجز والهزيمة التي تسببت فيها الضربات الإمريكية بتدمير القوة الصلبة الإيرانية.

بالنسبة للإمارات، فإن هذا التطور يضعها أمام معادلة دقيقة للغاية فمن جهة، تتمتع الإمارات بمستوى عالٍ من الجاهزية الأمنية كشفتها دفاعاتها التي تصدت لسيل من الهجمات الإيرانية، كما إنها تتمتع ببنية تحتية متقدمة تعزز من قدرتها على امتصاص اي هجوم مستقبلا.

كذلك فإن الدور الإقليمي المتوازن للإمارات، يبرز كأحد أهم أدواتها في التعامل مع هذه المرحلة. فهذا الدور لا يقتصر على حماية المصالح الوطنية، بل يمتد إلى الإسهام في تهدئة التوترات وتعزيز الاستقرار الإقليمي في بيئة دولية تتسم بسرعة التحولات وحساسية الحسابات.

أخيرا لاينبغي تفسير تأجيل التصعيد الإيراني باعتباره مؤشرا على التهدئة، بل هو أقرب إلى محاولة لالتقاط الأنفاس وامتصاص آثار الضربات القاسية، واتباع مسار تكتيكي يهدف إلى تجنب كلفتها البشرية والمادية، مع الإبقاء على نافذة مفتوحة لإمكانية التفاوض حول تسوية ترتيبات هذه الحرب.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *