بقلم_ نفيسة حجر بعيداً عن التجاذبات السياسية الراهنة، يظل البحث في أصول الهوية الوطنية السودانية رهناً بالوقائع التاريخية والمستندات القانونية لا بالتصريحات الغوغائية . إن التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤلين أمثال ياسر العطاء واركو مناوي، وما تلاها من نقاشات في منصات التواصل الاجتماعي حول سودانوية مكونات أولاد جنيد (العطاوة، الحيمادية، والراشدية)، تستدعي مراجعة موضوعية للمرتكزات التي قامت عليها الدولة السودانية. الجذور التاريخية والوجود الديموغرافي: تؤكد الشواهد الجغرافية أن الوجود الديموغرافي لهذه المكونات في حواكيرهم المستقرة، هو واقع سبقت صياغته ترسيم الحدود السياسية الحديثة. لقد ارتبط هذا الوجود بنمط حياة مستدام، تمثل في حفر “السواني” وإعمار الأرض وتأسيس نظم الإدارة الأهلية التي نظمت حياة المجتمعات المحلية قبل نشوء الدواوين المركزية للدولةالمهدية وتأسيس الكيان الوطني من الناحية التاريخية، لقد شكلت هذه القبائل القوة البشرية الأساسية لجيوش الثورة المهدية، وهي المؤسسة التي وضعت اللبنات الأولى لأول كيان وطني سوداني موحد بعد طرد الاستعمار. إن الدور العسكري لهذه المكونات في معارك مثل “شيكان” و”قدير” هو جزء موثق من صيرورة تشكل الدولة السودانية في صورتها الأولي. ميثاق “أمت ادعم” والنسيج الاجتماعي: يرتبط أبناء جنيد بمنظومة عرفية تُعرف بميثاق “أمت ادعم” وهي رابطة اجتماعية تنظم علاقات القربى والتضامن بين فروع القبيلة. هذا الميثاق العرفي أوجد نظاماً للاندماج الاجتماعي، حيث كان “تحليف الكتاب” وسيلة لدمج المستجيرين بهم ومنحهم حقوقاً وواجبات كاملة، مما جعل من هذه المناطق أوعية جامعة للتنوع البشري تحت مظلة العرف المحلي. الاستقلال والمشروعية البرلمانية في سجلات البرلمان السوداني: ولنعود لليوم 19 ديسمبر 1955، نجد توثيقاً قانونياً وسياسياً لدور قيادات هذه المكونات في إعلان السيادة؛ حيث تقدم الناظر عبد الرحمن دبكة (ناظر بني هلبا _ حيمادي ) بمقترح استقلال السودان، وثناه الناظر جمعة سهل (ناظر الحوازمة _ عطوي) جميعهم من اولاد جنيد. هذه الواقعة تضع هذه المكونات في قلب العملية التأسيسية لشرعية الدولة المستقلة. المرتكزات القانونية والخدمة الوطنية: من منظور القانون الدستوري، تقوم المواطنة السودانية على مبدأ “المواطنة التأسيسية” وفق معايير الاستيطان التاريخي. وبالنظر إلى الواقع التشريعي، نجد أن الدولة السودانية قد اعتمدت على أفراد هذه المكونات كركيزة أساسية في بناء القوات المسلحة السودانية عبر الحقب المختلفة. كما قامت الدولة لاحقاً بتقنين هذا الدور عبر تشريعات رسمية، مثل قانون عام 2017 الذي أنشأ ما عُرف بـ “الجيش الرديف” (قوات الدعم السريع) كقوة نظامية. إن هذا التوصيف القانوني الصادر عن مؤسسات الدولة التشريعية يؤكد أن انخراط أفراد هذه المجتمعات في الدفاع عن سيادة الوطن كان يتم دوماً تحت مظلة القانون وباعتراف رسمي من الدولة بصبغتهم الوطنية الأصيلة. وآخر قولي: إن مراجعة هذه الحقائق تؤكد أن حقوق المواطنة والانتماء الوطني ليست هبة سياسية متغيرة، بل هي حقوق مكتسبة ومؤسسة على وقائع التاريخ والقانون. إن استقرار الدولة السودانية وتماسك نسيجها الاجتماعي يعتمد بالأساس على احترام هذه المرتكزات التأسيسية والابتعاد عن الخطابات التي قد تؤدي إلى تغبيش الوعي بالحقائق القانونية والتاريخية المستقرة. وللمقال بقية ✍️……. شارك تصفّح المقالات آدم الحاج أديب يكتب على تخوم التغيير: سلسلة: حرب الروايات في عالم مضطرب