بقلم/إيهاب مادبو

وفي سبعينات بعيدة، حين كانت كادوقلي تستعد لاستقبال الرئيس النميري في احتفال مهيب بأعياد الاستقلال، انشغلت اللجنة المنظمة بما أسمته بـ ” محاربة الظواهر السالبة”، وكان عليهم أن يجعلوا المدينة تبدو كما ينبغي للضيوف: نظيفة، مرتبة، خالية من كل ما يربك الصورة.

لكن كادوقلي لم تكن مدينة تختصر في صورة ذات تنميط نخبوي ، وقد كان فيها “تتو كورو” ذلك الكائن الذي حيّر الناس حيّاً وميتاً. بعضهم قال عنه وليٌّ من أولياء الله، وآخرون وصفوه بالكجور، بينما اكتفى الجميع بالاتفاق على أنه لغز يمشي على قدمين.

كان يرفض الثياب كما يرفض التعريف، ويجوب الشوارع شارعاً شارعاً، كأنه سؤال مفتوح لا يريد إجابة رأته اللجنة “ظاهرة سالبة”، فكان القرار سريعاً: “يعتقل”،ولم تكتف بذلك، بل أصدرت قراراً آخر، أشد قسوة وأعمق دلالة: منع سكان الدرجة الرابعة او “حي حسيب” من الظهور. ذلك الحي الشعبي، المحفور في ذاكرة المدينة مثل “سبعة بيوت” و”عشش فلاتة” و”العزبة”، صار فجأة خارج المشهد… كأنه لم يكن، فقد أنجزت “الكشة” مهمتها، ورفع التقرير، اختفى تتو كورو، وأُحيط الحي بحصارٍ محكم، كخاتم في معصم.

وفي صباح الاحتفال، اصطف الناس على جانبي الطريق، من قصر الضيافة حتى المديرية. مكبرات الصوت تعلو:

“مرحب مرحب بالزوار…”

وأغنية قديمة تتسلل عبر أشجار المهوقني:

“أمتي يا أمة الأمجادي والماضي العريق…”

ثم صوت المذيع يعلو بالحماس:

القائد اقترب… دقائق فقط، وستلامس هتافاتكم السماء، ثم دوت صفارات النجدة، وتوالت عربات الموكب، والهتاف يتصاعد كمدّ بشري:

“مرحب مرحب بالقائد… هللتم أهلاً ونزلتم سهلاً…”

كل شيء كان يسير كما خُطِّط له، إلا أن كادوقلي كان لها رأي آخر.

فمن جهة الغابة، شرق قصر الضيافة، انشق المشهد فجأة، خرج موكب آخر، لا يشبه الموكب الرسمي في شيء: نساء وفتيات، يتقدمن بخطى واثقة، وأصوات الدلوكة تتصاعد، حارة، ونابضة، كأنها قلب المدينة نفسه،وفي المقدمة… كان “تتو كورو”.

عاد، كما لو أنه لم يعتقل يوماً. يمسك بأعوادٍ يطرق بها إيقاعاً لا يعرفه إلا هو، إيقاعاً يشبه حياته: حراً، طليقاً، عصيّاً على الضبط.

وارتفع الغناء:

يا قاسي أنا العذاب علي قاسي

ووين أرجع تعال لي

الريدة ريدتنا

والمحبة حقتنا

لقد كان الصوت ينساب كوجع جماعي، كحكاية حيٍ أُقصي فعاد ليطالب بحقه في الظهور، وفي الوجود،وفي تلك اللحظة، انكسر النظام، وتحولت الجماهير كلها، كأنها موجة واحدة، نحو الدلوكة. اختفى الموكب الرسمي، وغرقت الخطة المحكمة في بحر من الإيقاع والدموع والحنين.

اختفى مأمور الشرطة.

بحثت عنه اللجنة في فوضى المشهد، حتى وجدوه… لا في موقع السلطة، بل في قلب الحكاية،كان ممسكاً بإحدى النساء، لا باعتقالٍ هذه المرة، بل بانجذابٍ إنساني خالص. وفي لحظة نادرة، لحظة لا تفسرها الأوامر ولا التقارير، أنزل الرتبة العسكرية عن كتفه، سقطت الرتبة… وبقي الإنسان.

وكانت المسافة بين قسم الشرطة وحي الدرجة الرابعة لم تكن طريقاً فقط، بل رحلةً كاملة من السلطة إلى القلب،وهكذا في يوم أُريد له أن يكون عرضا منظما، قالت كادوقلي كلمتها:

إن ما يخفى لا يختفي…

وأن الدلوكة، حين تنادي، تُسقط الرتب… وتعيد الحكاية لأصحابها.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *