إيهاب مادبو

“أكان ما شفتي يا بخيتة؟!”،،جاء صوت سعاد متعجلا، كأنها تحمل في صدرها نارا تريد أن تطلقها قبل أن تخمد، كانت تلهث قليلا، وعيناها تلمعان بذلك البريق الذي لا يظهر إلا حين يكون الخبر أثقل من أن يكتم.

رفعت بخيتة رأسها ببطء، وقد كانت منهمكة في ترتيب طرف ثوبها، ثم عقدت حاجبيها وقالت بنبرة متحفظة: “خير يا سعاد؟ مالك داخلة كدا زي الملسوعة؟”،، “اجي يابنات امي ؟”

اقتربت سعاد أكثر، حتى كادت أن تلامسها، وخفضت صوتها: “مريومة… بت السعيد… قالوا امبارح جابوها للحكيم… وحالتها “متخرة!” شديد ،شهقت بخيتة، ثم تراجعت خطوة: “مريومة؟! دي ما كان دخلتها امبارح على الصادق ودالمريود؟! الحاصل عليها شنو؟!”

نظرت سعاد حولها بحذر، كأن الجدران نفسها قد تتنصت، ثم همست: “الكلام البقولوه ماكويس يابت امي… قالوا جابوها من الفريق للحكيم … لا قادرة تقوم ولا تحرك يدها…”،ساد صمت ثقيل بينهما، صمت مليء بأسئلة لا تجد إجابة.

وفي مجالس “الضرا”، حيث يجتمع الرجال تحت الأشجار أو على أطراف ظلال العصر علي تلك البيوتات المصنوعة من القش والبروش ، كان اسم الصادق ودالمريود يتردّد كثيرا. لم يكن مجرد شاب من أبناء الفريق، بل كان حالة… لغزًا حيّر الجميع،قال أحدهم ذات مساء، وهو يرتشف آخر ماتبقي من كوب الشاي : “الصادق دا يااخونا زيادة عن اللزوم.”

رد آخر من بمجلس “الضرا”، وهو يضحك بسخرية: “يمكن ما فاهم الحاصل حوله! ولا شنو؟!”

_ كو: ” الفهم موجود. لكن في حاجة تانية… حاجة ما بنشوفها نحن دُت.”

كان الصادق يجلس بينهم أحيانا، صامتا، ينظر إلى الأرض أو إلى الأفق البعيد. لا يشاركهم ضحكاتهم العالية، ولا حكاياتهم التي تدور حول النساء والليالي. وكأن حديثهم عن عوالم النساؤ لا يعنيه… أو ربما لا يشبهه، وهذا الصمت لم يكن رحيمًا به.

كان يفسر، ويعاد تشكيله في أفواه الآخرين حتى صار عبئا يلاحقه: “دا ما زي الرجال.” “نص راجل.” وتبقى الجملة الأخيرة معلقة، بلا إكمال، لكنها مفهومة.

وفي إحدى الليالي الشتوية حيث تستجيب الاشجار لنداءات ذلك البرد القارص وكأنها “تخفض” اغصانها بحثاً عن الدفء، وحين كان البرد يتسلل إلى العظام، جلس الصادق وحده تحت شجرة عرديب شاخت افرعها وتدلت حتي لامست الارض، كانت السماء صافية، مليئة بالنجوم، كأنها تراقبه.

قال لنفسه بصوت خافت: “لمتين؟” لم يكن السؤال موجها لأحد. كان حوارا داخليا، مع ذلك الجزء من جسده الذي ظل صامتا طويلا.

_”أنا منو؟ زي ما بقولوا… والناقصني من الرجال شنو ؟”

تنهد بعمق، ثم قبض على حفنة من التراب وتركها تتساقط بين أصابعه،في تلك اللحظة، لم يكن يفكر في حديث الناس حوله… بل في نفسه. في ذلك الحاجز غير المرئي الذي يفصله عنهم. في ذلك الشعور بأنه يقف على حافة عالم لا يعرف كيف يدخله.

وفي ذات صباح ، بينما كان والده المريود مشغولا بابقاره صاح الصادق متمردا علي طقوس ذلك المجتمع !

_ ابا هوووي “أنا داير أتزوج مريومة بت السعيد.”

قالها ببساطة، لكن وقعها كان كحجر أُلقي في ماء راكد،نظر إليه والده، المريود، طويلا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة: “الزواج سترة يا ولدي… وربنا يتمم عليك بالخير.”

كان المريود رجلًا ذا شأن. يعرف بين الناس بلقب “طاحونة البقر”، لكثرة ما يملك من ماشية، ولعطائه الذي لا ينضب. وكان يعلم أن ابنه لا يتكلم عبثا، لذلك اقر في لحظة فرح بإنتصار علي إتمام فرحة عمر ظل ينتظرها طويلا ليس إستجابة لطقوس الزواج ولكن لإسكات تلك التي تتهامس طعنا في رجولة إبنه.

وحين أعلن الصادق رغبته في الزواج، لم يكن الأمر مجرد رغبة عابرة، بل كأنه رد صامت على كل ما قيل،محاولة لإغلاق باب الهمس الذي ظل مفتوحًا طويلا

ومنذ تلك اللحظة، تحول الأمر من حديث في المجالس… إلى استعدادٍ على الأرض وفي طرف الفريق، حيث تمتد الأشجار وتتناثر القطاطي، اجتمع الشباب لبناء “بيت العريس”. كانوا يضحكون، يمزحون، ويتنافسون في من ينجز أكثر.

_ “الليلة دي تاريخية… لازم نتمها سريع !”

_رد آخر : “بس أهم حاجة… ما عايزين فضيحة!”

ضحكوا جميعًا.

ثم اقترب شاب نحيل، وهمس: “أنا جبت ليهو عرق الكنق… مضمون والله!”

انفجر الشباب بالضحك.

“يا زول! داير تقتل الزول؟!”

“لا لا… دا عشان القوة!”

تدخل احدهم، وهو يهز رأسه بثقة: “الصادق ما محتاج للحاجات دي… دا زول جاهز!”

_”جاهز كيف يعني؟”

_ابتسم وقال: “شركة!”

تعالت الضحكات مرة أخرى، لكن خلفها كان هناك ترقب… فول… وربما قلق خفي.

وفي الجهة الأخرى، كانت النساء يصنعن عالما مختلفا تماما.

الدلوكة تدق بإيقاع ثابت، كنبض الأرض. الأصوات ترتفع بالغناء، والزغاريد تخترق السماء. ومريومة، في وسط الدائرة، تجلس مزينة بالحناء والعطور، كأنها قطعة من ضوء.

اقتربت منها إحدى صحباتها، وقالت وهي تضحك:

“اسمعي الكلام… الليلة دي ما زي أي ليلة.”

ابتسمت مريومة بخجل: “عارفة… لكن خايفة.”

_”الخوف طبيعي… لكن أهم حاجة تكوني هادية.”

وتداخلت النصائح، بين الجد والمزاح، بين الخبرة والتخمين. وكل واحدة تحكي ما سمعته، لا ماعاشته.

كانت رائحة الطلح و” الخُمرة” تعبق في الجو، تمتزج مع الدخان الخفيف، ومع التوتر الجميل الذي يسبق المجهول،ومع غروب الشمس، هدأت الأصوات تدريجيا،انفض الجمبع، وبقي القليلون. الليل بدأ يفرض سكونه، والنجوم عادت لتملأ السماء.

دخل الصادق ومريومة إلى القطية الصغيرة.

كانت بسيطة… لكنها مغلقة على عالم كامل.

في الخارج، تمدد الأصدقاء تحت الأشجار. بعضهم كان لا يزال يهمس

_”تفتكر البحصل شنو هسي؟”

_”أصبر شوية… الليلة طويلة.”

لكن التعب غلبهم واحدًا تلو الآخر.

وفجأة…

مزّقت صرخة حادة سكون الليل.

كانت قوية… مفاجئة… كأنها خرجت من عمق الألم أو الخوف.

انتفض الجميع.

_”الصوت دا من وين؟!”

_”من القطية!”

ركضوا بلا تردد.

وحين وصلوا، ترددوا لحظة… ثم اقتربوا بحذر،كان المشهد أمامهم صامتا… لكنه صاخب بالمعنى.”مريومة” كانت ممددة، منهكة، وجهها شاحب، وأنفاسها متقطعة.

أما الصادق… فكان واقفًا.

صامتا.

يلهث.

وعيناه… تحملان شيئا غريبا،لم يكن خوفا فقط ولا ارتباكا فقط،بل انتصارا ممزوجا بدهشة، كمن عبر حدا لم يكن واثقا أنه قادر على تجاوزه.

لم يتحدث أحد.

لم يعل صوت.

لأن الحقيقة التي كانت أمامهم… لم تشبه الحكايات التي طالما سمعوها.

لم تكن “معركة”.لم تكن كما وصفوها، ولا كما تخيلوها،كانت لحظة إنسانية “هشّة” ومعقدة

اختلط فيها الخوف بالتجربة، والجهل بالتوقع، والواقع بكل ما فيه من ثقل

وفي تلك الليلة،لم يخرج الصادق فقط من دائرة الهمس والأسئلة بل خرج أيضا من وهم كبير،وهم صنعه الناس… وصدقه.

عن الرجولة.

عن القوة.

عن تلك “الليلة” التي تروى كأنها اختبار… بينما هي، في حقيقتها، بداية طريق لا يشبه الحكايات… بقدر ما يشبه الحياة نفسها

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *