إيهاب مادبو في ظهيرةٍ ثقيلةٍ من ظهيرات الخريف، نهض الحاج يعقوب فزعا من غفوته القصيرة تحت ظل شجرة العرديبة. مد بصره في أرجاء “الجبراكة”، وقلبه يخفق بقلق مألوف، وهو ينادي بصوت متقطع: “حاوش وش… تعالي يا الحنينة!” كانت حمارته الوحيدة رفيقة عمره، شاهدة على سنوات الشقاء بعد أن غيب الموت زوجته “أم مهلين بت غبوش”، وتركته وحيدا كأنما انهد سقف الدنيا فوق رأسه. لم تكن مجرد دابة، بل كانت ذاكرته الحية، وسنده الصامت في وجه الأيام. لم تبتعد كثيرا، عن الحلة حينما ترعي وكانت تعود في راس كل ساعة، كأنها تفهم وجعه. لم يكن يعقوب رجلا عاديا في الحلة، بل عرف بين الناس بالورع والحكمة، شيخا تحل عنده العقد وتفض النزاعات،فلحيته الكثة ومسبحته الطويلة كانتا جزءا من هيبته، وصوته الهادئ ميزانا للحق. لكن حياته لم تكن سهلة، سنوات طويلة قضاها مع أم مهلين ينتظران طفلا يبدد صمت البيت. لقد كانت نظرات الناس أقسى من الفقر، وكلماتهم تلسع رجولته كلما تأخر الإنجاب، حتى جاء حامد، بعد صبر مرير، فامتلأت الدنيا فرحا ، وذبح يعقوب الثيران شكرا، وأعلن انتصاره على العقم والهمس الخفي. كبر حامد مدللا، ذكيا على غير عادة أبناء الحلة، حتى جاء يوم أعلن فيه الراديو خبر قبوله في الجامعة،يومها، تحولت النقعة إلى مهرجان كبير، ودعته القرية كلها، بين دموع الأمل وخوف الفراق،ومرت السنوات بطيئة، وكان يعقوب يقضي نهاراته في الجبراكة، يحرث الأرض بـ”الطنقوقة”، ويستريح حين تتوسط الشمس السماء، تحت شجرته العتيقة، أما لياليه، فكان يقتل وحدتها بصوت “راديو ود العبيد”، حيث يجتمع رجال الحلة حول برنامج “الضرا الكبير”، يتقاسمون الأخبار واللقيمات والذكريات. وفي كل مرة، كان يردد بفخر: “الحمار بجمه وليدا!” يقصد حامد… أمله الوحيد،لكن رسائل حامد بدأت تقل.ثم انقطعت،وفي يوم غير متوقع، دوّى صوت “البوري” في أطراف الحلة،عرفوه فورًا… لوري مرسال،ركض الأطفال كأنهم يطاردون أحلامهم، يهتفون: “حامد جا! حامد جا!” قفز يعقوب من عنقريبه كمن لدغته عقرب. لم ينتظر، اندفع نحو موقف اللواري، وقلبه يسبق خطواته. هناك… وجده. وقف أمامه، مترددا لحظة، ثم قال بصوتٍ مبحوح: _ “حمدالله على السلامة يا ولدي…” _”الله يسلمك يا أبوي.” كانت لحظة اختلط فيها الفرح بالغربة،اجتمع أهل الضرا حول حامد، يمطرونه بأسئلتهم: “الطيارة كيف؟” “المدينة عاملة كيف؟” ” صحيالعيال بقرو مع البنات جميع في بكان واحد؟” كان يجيب بلغةٍ لم يألفوها: “نعم… حسب ظني… أعتقد…”والمدينة عبارة عن لوحة “فيسفساء” سكانها من خلفيات ثقافية متنوعة ابتسم يعقوب فجأة، ثم قال بصوت عال: “يا جماعة! الولد ده زمان كتب لي جواب قال بقرأ لغة الحيوانات!”ضحك البعض… لكنهم سكتوا فجأة، لصوت دجاجة صاحت بصوت غريب التفتوا إلى حامد، بإستجداء قال لهم بهدوء: “الجدادة بتقول عندها فروج مربوط في حبل عنقريب الحاجة زينب.” تجمدت الوجوه. ركضوا… ووجدوه. ثم بقرة صاحت. وكان رده”العجل قطع الحبل.” وكان ذلك صحيحا أيضا. تحولت الدهشة إلى يقين. صار حامد حديث الحلة. يترجم أصوات الحيوانات، يكشف أسرارها، ويثير رهبة لم يألفها الناس. وفي المساء، عاد مع والده إلى البيت. كان الصمت يملأ الطريق. وعند الباب… نهقت الحمارة. لكن هذه المرة، كان الصوت مختلفا. غريبا… مقلقا. توقف الاثنان. نظرات متبادلة بين الأب والابن. الخوف يتسلل ببطء. قال يعقوب، وهو يتراجع خطوة: “أوعااااااك تصدقها ياحامد ولدي…” صمت لحظة… ثم أردف: “والله الحمارة دي… فتااانة وكضااااااابة!” وفي تلك اللحظة، لم يكن واضحا… هل كان يعقوب يخاف من كذب الحمارة؟ أم من الحقيقة التي قدت من “دبر” الحمارة شارك تصفّح المقالات صباح محمد الحسن تكتب : من يحمي هؤلاء !! 6 ابريل نبض الشارع لم ينقطع