صباح محمد الحسن طيف أول: للذين أينعت أحلامهم في ذواتهم، وأيقظت هدوءهم ثورة، لكل من أدرك انهيار النظام وخرج في السادس من أبريل متجهاً إلى القيادة يتأمل سقوطهم، وللذين دست الثورة ألقها في صدورهم فظن غيرهم أنهم ضلوا الطريق، ولكنهم وصلوا. لكل من في قلبه نبض باسمها، هنيئاً لك بهذا الوعي والفخر والصمود. والمؤسسة العسكرية غضت الطرف عن الرد على مواطني ولاية الجزيرة الذين خاطبوها ببيان رفضهم لوجود الكتائب العسكرية في الولاية. وصمتها قد لا يُفسَّر تجاهلاً للأهالي، لكنه يؤكد أنها ليست لها سيطرة على الميدان، وأن الولاية تقع تحت قبضة القوات المساندة. وعندما تُحتكر القوة المسلحة من قبل ميليشيات ذات طابع أيديولوجي في ولاية الجزيرة، فإن الجيش يُنظر إليه كأنه غائب أو متواطئ، لا كحامٍ للمدنية. وبيان تحالف أبناء الجزيرة والمناقل بوقف أنشطة ميليشيات كتائب البراء بن مالك الإرهابية و”درع السودان” داخل الولاية، والإغلاق الفوري لكافة مكاتب التجنيد التابعة لحركة العدل والمساواة، وإعلانه رفضه القاطع لكل محاولات التمدد العسكري، هو من أقوى البيانات الشعبية بعد الحرب. ولو كانت هناك قيادة عسكرية رشيدة ممسكة بزمام الأمر لاستفادت من هذا البيان؛ فعندما يرفض تحالف شعبي وجود ميليشيات موازية، فهو عملياً يضع الجيش في موقع “المؤسسة الوحيدة” المسؤولة عن الأمن. وهذا يعزز صورة الجيش كحامٍ للسلم المجتمعي، ويضعه في مواجهة مباشرة مع أي محاولات لتشكيل قوى عسكرية خارج سيطرته. ولكن البيان أحرج المؤسسة العسكرية وكشف أن وجود هذه الكتائب يشكل أضلاع مثلث القوة العسكرية على الأرض، وأن لا وجود لقوة غيرها. ولو كان الجيش يشكل وجوداً فعلياً يحميهم، لما احتاجوا لصياغة هذا البيان. لذلك، فإن ما هو أخطر على المواطنين هو البيان نفسه؛ لأنه في غياب القوات المسلحة، عندما يعلن التحالف رفضه العلني للميليشيات الإسلامية وهو يعلم أن الجيش غير موجود فعلياً، فإن ذلك يضع الأهالي في مواجهة مباشرة مع هذه القوى المسلحة. فقد تعتبر هذه الميليشيات البيان تحدياً لها، مما يزيد احتمالات الانتقام أو التضييق على المدنيين. وأعلن التحالف رفضه لتحركات كل الكيانات التي تسعى لفرض واقع عسكري موازٍ داخل قرى ومدن الجزيرة والمناقل. والبيان يرفض محاولات استقطاب الشباب وتجنيدهم تحت مسميات “درع السودان” أو “كتائب البراء”، ووصفها بأنها تمثل طعنة في خاصرة السلم المجتمعي ونذير حرب أهلية في الولاية. وهذه رسالة خطيرة في بريد “المصباح” الذي ظهر في ولاية الجزيرة يتظاهر بأنصاره في الولاية؛ فكيف يقرأ الآن هذا البيان!! ولماذا تجاهلت السلطات العسكرية مطالب ولاية الجزيرة ولم تصدر قراراً واحداً حتى الآن يطمئن المواطنين أنهم تحت حمايتها؟ وأكد البيان أن الجزيرة كانت وستظل قلعة للمدنية والتعايش السلمي، محذراً من تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات. فهنا الأهالي يحذرون من السلوك الانتقامي للكتائب. ودعا البيان أهالي الولاية إلى مقاومة مدنية شعبية، ورصد ورفض أي نشاط لهذه المجموعات، مؤكداً أن أرض الجزيرة التي رويت بعرق الكادحين لن تُدنّس بأحذية الميليشيات أو تجار الحروب. وهذه الجملة الأخيرة تكشف أن البيان كُتب بلغة قوية قد تُقرأ من قبل الكتائب كتحريض أو تحدٍ مباشر، مما يرفع مستوى التوتر. في بيئة يغيب فيها الجيش، فإن مثل هذا الخطاب قد يُستخدم ذريعة لتبرير قمع الأهالي أو استهداف الناشطين. فقوة البيان تعزز الوعي المدني وتظهر رفضاً شعبياً للعسكرة، لكنه في الوقت نفسه يعري المواطنين أمام قوة مسلحة لا رادع لها. وهذا بلا شك يخلق معضلة: هل يتمسك مواطنو الجزيرة بالخطاب المدني رغم المخاطر، أم يتجنبون المواجهة العلنية حفاظاً على سلامتهم؟ لأن تأثير البيان يكمن في رمزيته، لكن خطورته تكمن في أنه يوجَّه ضد ميليشيات هي القوة الوحيدة على الأرض، بلا وجود فعلي للجيش ليحمي من يتبنون هذا الموقف. وهنا يأتي السؤال: إن كان الجيش غير قادر على سحب هذه القوات المذكورة في البيان من ولاية الجزيرة، فهل له أن يتعهد بحماية المدنيين؟ فمجرد صدور بيان من الجيش يضع الميليشيات في موقع المتهم أمام الرأي العام، ويحد من قدرتها على الادعاء بأنها تمثل الشرعية. لكن صمت الجيش ربما يُفهم أنه متواطئ أو غائب، مما يضعف صورته الوطنية. فالأهالي سيجدون أنفسهم مكشوفين تماماً أمام الميليشيات بلا أي سند رسمي، وهو ما قد يدفعهم إما إلى الصمت القسري أو إلى مواجهات غير متكافئة. فمن يحمي هؤلاء! طيف أخير: لا_للحرب الأمم المتحدة: نحو 14 مليون شخص في السودان معرضون لمخاطر المتفجرات، بمن فيهم المدنيون والعاملون في المجال الإنساني. والأطفال في السودان هم الأكثر عرضة للخطر بسبب تعاملهم مع أجسام خطرة دون إدراك. ألم نقل إن مطالبة الشرطة السودانية المواطن بتوخي الحذر ما هو إلا استهتار بالأرواح. شارك تصفّح المقالات ما وراء تعين العطاء رئيس هيئة الأركان “حمارة” الحاج يعقوب