إيهاب مادبو مدّ إلي جرسون مطعم “الجيلي” بكادوقلي والذي يجاور بنك الخرطوم من الناحية الشرقية صحنا جمع فيه ما تبقى من طعام، عبارة عن خليط من الشية والفول والكباب، كان قد رتبه بعناية كأنه ينتظر لحظة وصولي التي تعاهدنا عليها ذات يوم، يوم وقعنا قسيمة المعاناة دون أن ندري. كان خليفة، زميلنا في الصف الرابع بمدرسة كادوقلي السرقية، قد غادر مقاعد الدراسة باكرا ليحمل عن أسرته أعباء الحياة، ففي منتصف الثمانينات، كنا تلاميذ بمدرسة كادوقلي الشرقية، حين ضربت” المجاعة” او ماتسميها الحكومة تلطيفاً بـ “الجفاف والتصحر” المدينة، قامت المجاعة بنصب خيامهما فوق صدور الناس، خاصة أولئك الذين كانوا يعيشون على رواتب محدودة بالكاد تسد الرمق. في تلك الأيام، أعلنت تمردي الصغير على “الكسرة” بملاح “الخضراء”، ذلك ” الملاح” الذي استبد بكل الموائد. أذكر أن الأستاذ موسي عبدالباسط، معلم الرسم، ناداني من داخل الطابور الصباحي محذرا من اتساخ زيي المدرسي قائلا — لو جيت تفطر تاني بملاح خضرا، أقلع قميصك دا! _أجبته بطيش الطفولة: — إنت ما عارف حاجة يا أستاذ… إلا كان أقعد “انفكو”! كان ملاح “الخضراء” قد صار جزءا منا، حتى إن الأمهات تنافسن في إعدادها ” مفروكة، مفرومة، أم تكشو” وكأنهن يحاولن تلوين الفقر بأشكال مختلفة وحين مدّ إليّ خليفة صحن “الكرتة”، كانت الحاجة “باعوضة” تراقبني بصمت من ركنها في محلات “البار” القديم، او مكتب المحامي يعقوب التجاني من الناحية الجنوبية، لم تكن تمد يدها لأحد، بل تأكل مما تصنعه بيديها. كانت بارعة في نسج البروش والمنتجات اليدوية، تنسج الجمال بخيوط صبرها، ثم تبيعه بثمن زهيد للنساء. جلست إلى جواري دون كلمة، ووضعت أمامي صحنا آخر، ممتلئا بطعام أعدته بمهارة الأم وحنانها أشارت إلي أن آكل معها. ترددت لحظة ليس خوفا منها، بل من عيون الناس التي ترى في الرحمة عيبا، وفي القرب من المهمشين جريمة، واكلت حتي امتلأت بطني وامتلأ قلبي بشيء آخر، شيء يشبه الأمومة،ومنذ تلك اللحظة، نشأت بيني وبينها علاقة صامتة، علاقة لا تحتاج إلى تعريف. كنت أزورها، أجلس معها، أحدثها، وأحاول أن أكسر جدار الصمت الذي فرضه عليها المجتمع، وأن أستفز الأسئلة في عيون الناس عن هويتها، عن قصتها، عن إنسانيتها، وبعد سنوات الإغتراب انقطعت عنها وعدت ذان يوم إلى كادوقلي، مدفوعا بالحنين، فذهبت إليها. احتضنتني، ودموعها تسبق كلماتها، بل تحل محلها. كان صمتها هذه المرة أكثر وجعا، كأن الزمن قد أثقل قلبها بما لا يقال، ثم مرة اخري باعدت بيننا مرة اخري المسافات وفي ذات يوم وجدت خبراً في ركنٍ بعيدا وضع علي “سلة” الاخبار غير المهمة وبسطر واحد كتب احدهم بزقاقات موقع الواتساب” امس توفيت المجنونة باعوضة” ، قذف به هكذا ثم خرج، وحينما وجده بحثت عنه اجريت اتصالا بدكتور الرضي الذي يشاركني عطفها ولطفها وسألت _ يادكتور “باعوضة” دي ماتت كيف؟ _ماتت يا إيها، “مش لأنها ضعفت”، بل لأننا نحن من ضعفنا، ماتت بعد أن ماتت ضمائرنا، وتركتنا عراة أمام أنفسنا، نغرق في زيف النهار ونفاق الليل. لم يحدثني دكتور الرضي عن سبب الوفاة وإن كان يعلمه، ولكني عرفت لاحقاً إن “ذئاباً” بشرية كانت قد هجمت عليها في ليلٍ وأعتدت عليها، لم يحتمل جسدها النحيل قبح هذا العالم، ولا تلك الوجوه التي تبتسم نهارا وتنهش إنسانيتها سرا، فماتت بعض ان تعرض ” رحمها” لهجوم عنيف وضع فيه هؤلاء ” الذئاب” مئات الحيوانات غير الاليفة بفعل ” المتعة” المغشوشة. يا للمأساة! يا للفضيحة التي لا تغتفر! كيف لمدينة أن تقتل روحها بيديها؟ أظلمت كادوقلي يوم رحيلها… كما أظلمت يوم رحل “تتو كورو”. وكأن المدينة تفقد مع كل روح نقية جزءا من أمانها، من سلامها، من معناها، لقد كانت الحاجة “باعوضة” أكثر من امرأة… كانت روحا، طقسا دافئاً، ثم كانت حكاية منسية، وقطعة من ضمير حيّ لم نعرف كيف نحافظ عليه. ماتت ولكن الحقيقة الأوجع أننا كنا قد متنا قبلها بوقت طويل. شارك تصفّح المقالات عقل “البرهان” في ميزان الخطابات: فيروس المناورة أم سكرات الوداع؟ نذير الانكشاف: سقوط “تحالف الدم” وصراع المركز ضد الهامش