تقرير: نبض نيوز في خطوة مفصلية تعكس عمق التحولات داخل المؤسسة العسكرية السودانية، أصدر رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، مطلع أبريل، قرارات واسعة لإعادة هيكلة القيادة العليا للجيش، شملت تعيين ياسر العطا رئيسًا لهيئة الأركان، وإلغاء مناصب حساسة، أبرزها نائب القائد العام ومساعديه. لكن ما بدا ظاهريًا كإصلاح مؤسسي، يكشف في جوهره عن إعادة ترتيب عميقة لمراكز القوة داخل الدولة، بالتوازي مع رسائل صريحة باستمرار الحرب لا إنهائها. إصلاح عسكري أم مسار جديد للحرب؟ تصريحات العطا عقب تعيينه لم تترك مجالًا كبيرًا للتأويل. إذ أكد بوضوح أن العمليات العسكرية مستمرة حتى “تحقيق الأهداف”، في خطاب يعكس توجّهًا نحو الحسم العسكري بدل البحث عن تسوية سياسية. هذه النبرة الحاسمة تضع إعادة الهيكلة في سياق مختلف: ليس كخطوة لإعادة بناء جيش مهني، بل كإعادة تجهيز آلة الحرب بقيادة أكثر انسجامًا مع خيار المواجهة المفتوحة. إعادة تركيب الولاءات تشير المعطيات إلى أن القرارات الأخيرة لم تكن مجرد تغييرات إدارية، بل عملية فرز دقيقة داخل النخبة العسكرية. إحالة ضباط للتقاعد، وترقية آخرين، وإعادة توزيع مواقع حساسة في الاستخبارات والعمليات، كلها تعكس سعيًا لإنتاج قيادة “موثوقة” سياسيًا قبل أن تكون مهنية. وترتبط بعض الأسماء التي غادرت المشهد أو عادت إليه بخلفيات أيديولوجية تعود إلى عهد عمر البشير، ما يعزز فرضية أن ما يجري هو إعادة تدوير لشبكات النفوذ القديمة داخل بنية جديدة أكثر إحكامًا. تشكيل السلطة يرى الباحث أليكس دي وال أن الحروب الممتدة تخلق بيئة مثالية لإعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسات، حيث تستثمر القيادات العسكرية حالة الطوارئ لإعادة بناء مراكز القوة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. في هذا السياق، تبدو إعادة هيكلة الجيش السوداني جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل السلطة، لا مجرد استجابة لتحديات ميدانية. دمج القوات أم احتكار القوة؟ العطا تحدث أيضًا عن إمكانية دمج “القوات المشتركة وقوات الإسناد” داخل الجيش مستقبلاً، في خطوة قد تُقرأ كمسعى لبناء جيش وطني موحد. لكن في ظل استمرار الحرب، تثير هذه التصريحات تساؤلات حول ما إذا كان الدمج سيحدث فعلاً ضمن مشروع وطني جامع، أم كآلية لاحتواء قوى مسلحة أخرى وإخضاعها لقيادة مركزية واحدة. قلب الحسابات لا يمكن فصل هذه التحولات عن السياق الإقليمي، حيث يزداد التنافس على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. تقارير بحثية تشير إلى مخاوف من تنامي علاقات بعض مكونات الجيش مع أطراف إقليمية، من بينها إيران، ما يضع السودان في قلب تجاذبات دولية قد تعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة. إطالة أمد الحرب أخطر ما تكشفه هذه الهيكلة ليس فقط إعادة توزيع السلطة داخل الجيش، بل ترسيخ قناعة لدى القيادة بأن الحسم العسكري ما زال ممكنًا. ومع تصريحات العطا التي تؤكد استمرار القتال، يصبح احتمال إطالة أمد الحرب أكثر ترجيحًا، مع ما يحمله ذلك من كلفة إنسانية وسياسية باهظة. دولة تُعاد صياغتها بالنار ما يجري داخل المؤسسة العسكرية السودانية يتجاوز حدود الإصلاح التقليدي. إنه إعادة هندسة للسلطة تحت غطاء الحرب، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الطموحات السياسية، في لحظة قد تحدد مستقبل السودان لسنوات طويلة. وبينما تتقدم القيادات الجديدة إلى الواجهة، تبدو الرسالة الأوضح: الحرب لم تعد مجرد وسيلة، بل أصبحت إطارًا لإعادة بناء الدولة نفسها—ولو على حساب السلام. شارك تصفّح المقالات حكومة “تأسيس” ترفض تقرير “أطباء بلا حدود” حول العنف الجنسي في دارفور وتلوّح بإجراءات ضد منظمات “مسيسة”