​بقلم: آدم

​لم تكن عبارة “حدث ما حدث” يوماً توصيفاً بريئاً لواقعة عابرة، بل هي الخطيئة اللغوية التي أُريد بها غلق ملفاتٍ فُتحت بالدم، وتبريراً مختصراً لجريمة طويلة التفاصيل. قيلت بالأمس لمواراة سوأة “فض الاعتصام” وتجاوز اللحظة المفصلية من تاريخ ثورة ديسمبر، وتعود اليوم بذات البرودة لتُستخدم في سياق تصفية الشركاء؛ إنها عقلية “محو المسؤولية” التي لا تكتفي بتبرير الجريمة، بل تُعيد إنتاجها كمنهج حكم، وتدير الأزمة بالعنف والهروب من الاستحقاق السياسي إلى منطق القوة العارية.

​إن من بنى مجده على “جماجم ديسمبر” وما قبلها وما بعدها، يواجه اليوم استحقاقاً أخلاقياً لا مفر منه؛ فالشعوب التي تُدفع اليوم للاصطفاف خلف شعارات “حرب الكرامة” عليها أن تقرأ أولاً تاريخ إذلال الكرامة واستباحة الحرمات في أقاليم الهامش. ولنا أن نتساءل بمرارة: لماذا كان الصمت مطبقاً عندما كانت تُستباح الشعوب في النيل الأزرق، وجنوب كردفان، ودارفور؟ هل للكرامة درجات قداسة تختلف باختلاف الجغرافيا؟ إن الوعي الذي سكن الهامش اليوم يرفض أن تكون كرامته “درجة ثانية”، ويؤكد أن الأمن القومي لا يتحقق إلا بالعدالة الشاملة، لا بسياسات الإقصاء التي جعلت المركز يرتجف حين وصلت النار إلى أبوابه.

​ويشهد السودان اليوم تطبيقاً لسنن التدافع التاريخي؛ حيث أدى الصعود المعرفي لأبناء الهامش إلى كسر احتكار نخب المركز للقرار، وهو ما دفع تلك النخب لمحاولة يائسة لـ “سجن عقارب الساعة” لتدور للخلف، متمسكة بامتيازات تاريخية لفظها الوعي الجديد. وعندما تفشل هذه النخب في بناء دولة القانون، فإن المجتمع يرتد حتماً نحو “دولة القبيلة” كملجأ أخير، وهي النتيجة الطبيعية لسياسات “فرق تسد”. والحقيقة البينة أن من يرفض وقف إطلاق النار وتحقيق السلام اليوم هو ذاته من بدأ الحرب؛ خوفاً من استحقاقات العدالة التي ستطاله لا محالة.

​إن من يظن أن السودان هو “الخرطوم” فحسب، عليه أن يراجع خريطة الدولة السودانية بعمقها وتنوعها؛ ومن يتوهم أن “نطاق الإنتاج” في الريف السوداني مجرد بقرة حلوب تصب خيراتها في “وكر الأفاعي” لمن هم في السلطة، فإنه واهمٌ وغارق في أحلام الماضي. إن ثورة الفيدرالية هي قانون الإنصاف الحديث للشعوب، وهي المخرج الوحيد لإنهاء عقود من النهب الممنهج لموارد الأطراف لصالح مركزٍ لا يعطي بقدر ما يأخذ.

​أما عن مستقبل التحالفات الهشة، كتلك التي مهدت لانقلاب جنرالات الدم عبر “اعتصام الموز”، فإن مصيرها يتبع قانون التآكل الذاتي؛ فقد بنيت على المصالح لا المبادئ، وعند أول اختبار حقيقي تحول الشركاء إلى خصوم، ليجدوا أنفسهم مجرد “أدوات مؤقتة” انتهت صلاحيتها ببدء صراع المركز والهامش الحقيقي. إن المشكلة لم تكن يوماً في “ما حدث”، بل في المقامرة على أن ذاكرة الشعوب يمكن أن تُشترى أو تُنسى. لكن الحق لا يموت بالتقادم، والباطل مهما تجبر يظل سجيناً لحظة انكشافه أمام وعي أصحاب الأرض.

​إن الحرية سوف تشرق من تحت الركام، والغد لناظره قريب؛ فقد تحطمت عقارب الساعة في يد من حاولوا إرجاعها، والكرامة السودانية ولدت من جديد.. كرامةً لا تقبل التجزئة، وفيدراليةً تصون الحقوق وتوزع العدل.

​#السودان .آدم_الحاج_أديب

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *