ايهاب مادبو وكعادة تلك المدينة، حين يرسل الخريف برقياته الأولى، تكون قد أتمت زينتها، وتهيأت لاستقباله كعروس تعرف موعد زفافها مسبقا، فالخريف هناك لا يأتي خلسة، بل يعلن عن نفسه بالدعاش الخفيف، وبرائحة الأرض حين تتنفس أولى قطرات المطر. يأتي الخريف مبكرا، حين تلملم السحب أطرافها، وتبدأ “الشوقارة” في التفتح كالتي اعلنت عن تمام إكتمال ليلة “دخلتها”، فالأزهار لها عهد قديم مع هذا الفصل، كأن بينها وبينه سرا لا يفصح عنه، من بينها تلك الشجرة التي تسمي بــ “القولد مور”، بينما اشتهرت في المدينة باسم شجرة “الياسمين”. كانت هذه الشجرة تزين بيوتات كادوقلي، وتكون أول من يعلن اكتمال حضور الخريف، على عكس شجرة الحراز، التي تبدو وكأنها على خصومة دائمة مع المطر، فلا تزهر إلا حين يغيب، وكأنها تعاند السماء، وكان خريف ذلك العام في نهاية الثمانينات لم يكن كغيره. جاءت “أم بشائر” عنيفة، كأنها تحمل في رعودها رسائل مؤجلة، أو أحكاما مغلظة من السماء لم تنفذ بعد، وحينها استحضرت كلمات الشاعر الكردفاني قاسم عثمان، وكأنها كتبت لتلك اللحظة تحديدا: نشم دعاشا نتكرّف ونطرى ناسا نتشرف ما دام براقها شال طرف قطع شك الصعيد خرف كانت الرعود مدوية، توقع في القلب قبل السماء،وكنا في طفولتنا “نقسم” بحلف مغلظ بالمطر، وبالصاعقة او“الطرنقاعة” التي رسخت في أذهاننا أنها سريعة الحساب، لا تنتظر يوما آخر للقصاص، ومن يقسم بها لا يكذب ويعتد بمايقوله بعد هذا القسم ” التونة الطرنقاعة”، لا اعرف التونة ولكنها رسخت كوثيقة مكتوبة بضمائرنا. ولكن يبدو أن ذنوب ذلك العام كانت أثقل من احتمالات الغفران،فأطلقت السماء صواعقها وكأنها تنفذ حكما لا يستأنف، وفي ذلك التوقيت، قررنا نحن الثلاثة (النزير الباتنقو ومحمدين وشخصي) السفر إلى الخرطوم، تلك المدينة التي تتثاءب مع شاي الصباح، وتستيقظ ببطء كمن لا يريد مغادرة حلمه، اتفقنا على السفر في سرية تامة، كنا نخشى أن يفضح أمرنا، وكنا كذلك نخاف أن يعترض طريقنا شيء من تلك الحكايات التي تنسجها المخيلة الشعبية عن السفر، وعن الطرق التي تبتلع العابرين، وعن المدن التي تسكنها الأساطير. وكانت الأغاني، تسبقنا وترافقنا وتبكينا أحيانًا: يوم قالوا لي الحبيب مسافر مشيت المحطة اجيب التزاكر قضيت يومي دا وكيف حالي باكر هذا المقطع الذي لا يغنى إلا وفيه شيء من الفقد والإستجداء المحرض للبكاء حد النحيب،وصلنا مبكرا إلى موقف بصات “شيكان”، شرق سينما كادوقلي والغيوم قد بدأت تتكاثف، معلنة عن مطر تعرفه الأزقة قبل أن يسقط. كان الكمسنجي في قمة نشاطه، يصيح بصوت يحمل استعجال السفر بسبب المطر: — يا جماعة، الزول القاطع تذكرتو يركب! خلونا نطلع قبل المطرة _وخور كرتالا قدامنا! توقف هذا الاسم المخيف في داخلي: “كرتالا” ، قلتها بضربات قلبي مرات عديدة عن سر هذه المنطقة التي سكنت مخيلتنا كمدينةٍ للخرافات،حيث قيل إن “البعاعيت” تسكن ظلال اشجارها، وأن الليل هناك لا يشبه أي ليل. صعدنا إلى البص. وكانت المفاجأة وجدت نفسي أجلس بجوار “سلوى”،ذات نفسها والتي طالما أطربتنا بصوتها، حين ترتفع الصفقة، وتشتعل ليالي الدلوكة. سهر المنام لي وحدي ياقسيم الريد الريد فوقك النبي يا وليد الناس ياوليد الناس . عشان فراق تومي بنضرب رصاص فوقك الصلاح…….. يا فرير دمور المسخ الارياح جلست سلوي بقوامها الفارع علي مقعد شباك البص، والضوء يتسلل إليها كأنه يعرفها، وجلست انا بالقرب منها حسب رقم المقعد 23 المكتوب علي التذكرة، نظرت اليها حيّيتها باسمها _السلام عليك ياسلوي ردّت باسمي. _ اهلين يا إيهاب تجمّدت داخلي الدهشة: ياربي هل بتعرفني؟ ابتسمت وكأنها قرأت تلك التساؤلات وقالت بهدوء: — الغنا ما بخلي زول غريب، والصوت بعرف الصوت. لم أعرف ماذا أقول،فاكتفيت بالصمت، بينما داخلي يردد كلمات نزار قباني: الحب مرسوم على كل أوراق الشجر الحب منقوش على أجنحة العصافير، وقطرات المطر.. لذا أحبك جدا.. واعرف ان الطريق الى المستحيل طويل واعرف انك بدر السماء وليس لدي بديل تحرك البص، مودعا مدينة احتشدت حتي اشجار النيم لتوديعنا، كأننا ذاهبون بلا عودة. مدينة حنينة… تودعك بالدموع، وتستقبلك بها ايضا. طلبت من سلوى أن أبدل مقعدي بمقعدها قرب النافذة،ابتسمت، وهزت رأسها قائلة: — الزول يقعد في مكانو المكتوب يمكن في سر ما بنعرفو. لم أجادل. ارتفع صوت عبد الكريم الكابلي، وكانت الأغنية تفتح أبوابا في الذاكرة: زمان الناس هداوة بال و انت زمانك الترحال و ليلهم عمره ما سآل و ليلك لي صباحو سؤال قسمتك يا رقيق الحال مكتوب ليك تعيش رحال تسامر في الغيوم أشكال روائع تذهل المثّال سلوى كانت تترنم بهذه الاغنية، هي لاتحفظ الأغنية فقط، بل تعيشها،أما أنا، فكنت أتظاهر بالحفظ، أحرك شفتيّ بلا صوت،وأراقب تفاصيلها،كأنني أخاف أن أفقد لحظة منها. ومع اشتداد المطر… ومع اقترابنا من كرتالا… بدأ الصمت يزحف داخل البص. السائق أطلق “البوري”، كأنما يرسل إشارة أعتاد عليها سائقي البصات واللواري ان يرسلوها لعشيقاتهم في تلك البوادي أحد الركاب تمتم: — دي كرتالا… الليلة ربنا يستر. سلوى سكتت. ثم مالت ناحيتي قليلا، كأنها تغفو. اقتربت واقتربت أنا. حتي كاد كتفي ان يلاصق كتفها، كان كل شئ يتحرك ببطء الليل، المطر، الأنفاس… وفجأة… دوّت الصاعقة. “الطرنقاعة”… بعنف جعلني أظن أنها سقطت داخل البص. اهتز الجميع، وتوقف الزمن للحظة. ثم وجدت نفسي في مقعد سلوى. ووجدتها هي في مقعدي. تلاقت أعيننا. كان في نظرتها دهشة، وشيء يشبه الاتهام. قالت، بصوت خافت لكنه واضح: — الجابك مقعدي شنو؟ نظرت إليها… ثم إلى المطر… ثم قلت ببطء: — يمكن… الطرنقاعة ما بتحب الكذب. سكتت لحظة. ثم سألتني: — يعني؟ ابتلعت ارتباكي، وقلت: — يمكن حركتنا عشان نقول الحقيقة… بدل ما نهرب منها. طال صمتها. ثم قالت وهي تنظر إلى البرق: — طيب… قول الحقيقة. تنفست بعمق: — أنا ما سافرت من كادوقلي ساكت، جيت أهرب من إحساس لكن لقيتو قاعد جنبي في البص. نظرت إلي طويلا… ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، كأنها وصلت إلى شيء كانت تعرفه. — وأنا… كنت فاكرة إني بس بغني عشان أنسى… لكن الظاهر إنو في حاجات ما بتتنسى. دوّى البرق مرة أخرى… لكن هذه المرة، لم يكن مخيفًا. قالت بهدوء: — خلينا نشوف… الطرنقاعة دي جابتنا هنا ليه. تحرك البص من جديد،وغابت كرتالا خلفنا، لكن شيئا ما لم يعد كما كان،لم يعد الخريف مجرد فصل ، ولا المطر مجرد ماء ولا”الطرنقاعة” مجرد صاعقة،بل صارت صوتا يرسم الحب،حين لا يجرؤ القلب على النطق به. شارك تصفّح المقالات السودان والردة الوطنية: من خلف مسيرات الشمالية حين تصبح العنصرية “قانوناً” والمواطنة “شبهة صباح محمد الحسن تكتب: بلا تعريف