بقلم: نفيسة حجر لم يعد ما يحدث في السودان اليوم مجرد تجاوزات فردية أو “فلتات لسان” عابرة، بل نحن أمام زلزال يضرب أساس الدولة؛ حيث تحولت العنصرية من مرض اجتماعي إلى سلوك ممنهج تتبناه مؤسسات السلطة لتمزيق ما تبقى من نسيج الوطن. إن المشهد الذي تبلور في المسيرات الأخيرة بالولاية الشمالية، وبحضور معلن لممثلين من ولاية نهر النيل، يكشف عن تواطؤ خطير وتنسيق عابر للولايات تتوزع فيه الأدوار بدقة حيث تبدأ من أعلى هرم القيادة العسكرية والسياسية، حيث منح خطاب الفريق أول ياسر العطا حول “الحواضن الاجتماعية” وتصريحات مني أركو مناوي الأخيرة، الضوء الأخضر لوصم مكونات كاملة بالخيانة. إن هذا الخطاب لم يستهدف “الحواضن” بمعناها السياسي، بل كان قناعاً لاستهداف عرقي وجغرافي صريح ومباشر طال مواطني دارفور وكردفان، محولاً النازح الفار من الموت إلى “عدو محتمل” تجب مراقبته أو طرده بناءً على جهته وهويته. وهنا يجب التأكيد على حقيقة راسخة وهي أن هذا الخطاب الدخيل لا يعبر بأي حال من الأحوال عن إنسان الشمالية أو إنسان نهر النيل، الذين تعايشوا وتصاهروا مع أهلهم في كردفان ودارفور منذ عهود بعيدة في تمازج فريد شكّل وجدان السودان. إن ما يحدث هو “مخطط” تقوده فئة معينة تهدف لضرب هذا التعايش التاريخي وشرخ البيوت السودانية التي لا يخلو بيت فيها في الشمال من صهر أو قريب من الغرب، والعكس صحيح. إن هذا التحريض لم يحتج لنصوص قانونية مكتوبة ليدخل حيز التنفيذ، بل يكفي أن يتحدث الولاة عن “الوجوه الغريبة” ليتلقفها الجهاز القضائي في الولايات التي يسيطر عليها الجيش، ويحولها إلى ممارسة عملية ومحاكمات جنائية تفتقر لأدنى معايير العدالة. إن ما يُعرف اليوم بـ “قانون الوجوه الغريبة” ليس تشريعاً مسطوراً، بل هو “قانون واقع” فُرض بقوة السلاح والمنابر، حيث بات يُحاكم المواطن على ملامحه وجهته الجغرافية بدلاً من فعله. والأكثر إيلاماً في هذه الردة الوطنية، هو انزلاق القضاء والمؤسسة الإعلامية في هذا المستنقع؛ فحين تجرؤ المحاكم على محاكمة أشخاص بتهمة “الغربة” في وطنهم بناءً على أصلهم العرقي، فإن العدالة تكون قد انتحرت على عتبات الجهوية. وحين تفتح وزارة الإعلام الباب لمنصات مثل “سودانية 24” لتبث وتلمع هذا القبح العنصري وتصوره كأنه “إرادة شعبية” كاذبة لا تمثل سماحة أهل الشمال، فإننا نصبح أمام دولة تحارب مواطنيها بترسانتها الإعلامية والسياسية والعسكرية. إن أبناء الغرب الذين نزحوا من دارفور وكردفان والخرطوم ليسوا “خلايا” ولا “وجوهاً غريبة”، بل هم أصحاب الأرض الذين شردتهم الحرب، والدولة التي تحاكم “الاضطرار” وتجرم “النزوح” بناءً على الهوية هي دولة سقطت أخلاقياً قبل أن تسقط سياسياً. إن السودان لا يمكن أن ينهض طالما أن العنصرية أصبحت تُشرعن بكلمات المسؤولين وتُنفذ بمطارق القضاة؛ فإما أن يكون الوطن للجميع بكرامة متساوية، أو أن هذه السياسات الإقصائية هي المسمار الأخير في نعش وحدة البلاد. آخر قولي: إن الأوطان لا تُبنى بالإقصاء، والسيادة لا تُنتزع بتفتيت النسيج الاجتماعي عبر استهداف مواطني دارفور وكردفان أو أي جهة أخرى. إن إنسان الشمال بريء من هذا المخطط الذي تقوده فئة ضيقة تتاجر بالأمن لتمزيق الأواصر الاجتماعية. التاريخ لن يرحم من حوّل القضاء إلى مقصلة للهوية، ولا من جعل الإعلام بوقاً للفتنة فإما سودان يسع الجميع بعدالة القانون، أو شتات لا يجمع شمله أحد. القوة الحقيقية هي في حماية الضعيف والنازح، لا في مطاردته بـ “شبهة الملامح” في أرض أجداده. شارك تصفّح المقالات قهوة المارينز؟! الحب مرسوم على صوت “الطرنقاعة