1. بقلم/ أدم الحاج أديب

​ مقدمة

​في معادلة الإصلاح، لا يُقاس الخطر بقوة المفسدين فحسب، بل بعمق صمت الصالحين. فحين يتوارى أهل الحق خلف جدار “السلامة” أو “الورع السلبي”، يفتحون الباب للباطل ليتمدد، ليس كمنكرٍ صريح، بل كفعلٍ “مقدس” يرتدي أبهى الحلل الدينية.

​✦ أولاً: وهم “الورع السلبي”

​يعتقد الكثير من الصالحين أن كف اليد واللسان عن الشأن العام هو قمة التقوى.

​الحقيقة: الصمت في مواطن الظلم ليس حياداً، بل هو تدعيم للأمر الواقع.

​الأثر: غياب “القدوة المتكلمة” يترك الساحة لـ “القدوة المزيفة” لتقود الجماهير بشعارات براقة وتطبيقات مشوهة.

​✦ ثانياً: صناعة “الفساد المقدس”

​المفسد الذي يتغطى بالدين لا يخشى القوانين بقدر ما يخشى “الوعي”. وفي ظل صمت الصادقين، ينجح في:

​تأميم الفضيلة: إيهام المجتمع أن نقد سلوكه الفاسد هو نقد للدين نفسه.

​تمرير المظالم: تصوير القصور الإداري والمالي على أنه “ابتلاء” يجب الصبر عليه، بدلاً من كونه انحرافاً يجب تقويمه.

​✦ ثالثاً: المسؤولية الأخلاقية والقانونية للبيان

​بصفتنا في الحقل القانوني والبحثي، ندرك أن السكوت في موضع الحاجة إلى البيان هو “بيان” بصحة الباطل.

​خيانة الأمانة: كتمان الحقيقة في القضايا التي تمس حياة الناس وضمائرهم هو تفريط في أمانة العلم والمنهج.

​تآكل الثقة: عندما يرى الشباب فساداً يُرتكب باسم الدين ويصمت عنه الصالحون، يفقدون الثقة في المنظومة الأخلاقية برمتها.

​✦ رابعاً: الفراغ الذي يملأه الزيف

​إن الطبيعة لا تقبل الفراغ، وكذلك الوعي الجمعي؛ فحين يغيب الصوت الحق، تبرز البدائل المشوهة:

​حين يصمت الفقيه الصادق؛ تتكلم أدوات النظام وتتصدر المشهد.

​حين يصمت الباحث النزيه؛ يفتي المنتفعون والمطبلون.

​حين ينسحب أهل الحكمة؛ تشرعن “الأدوات” الفساد، ليس بقوة الحجة، بل بصمت الأنقياء الذي منحهم المساحة والشرعية.

​✦ خامساً: المخرج.. استعادة المبادرة

​إصلاح هذا الخلل يتطلب شجاعة مدنية ودينية:

​كسر صنم الإمعيّة: ألا يكون الصالح مجرد رقم في حشد، بل صوتاً فارقاً في قضية.

​فصل الذات عن المقدس: التوضيح الدائم بأن الأشخاص والمؤسسات محاسبون، ولا حصانة لأحد تحت غطاء الدين.

​الرقابة الإيجابية: تربية المجتمع على أن “قول الحق” هو أرقى أنواع التدين العملي.

​✦ خاتمة

​إن شرعية الفساد تسقط حين يرتفع صوت الحق، وقوة الباطل تنتهي حين يتوقف الصالحون عن التواطؤ بالصمت. ليس المطلوب أن نكون “وعاظاً” فحسب، بل أن نكون “حراساً” للوعي والعدل.

​تذكر دائماً:

الباطل لا يحتاج لجيوش ليهزمنا، بل يحتاج فقط إلى…سكوتك.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *