بقلم 

عبدالعزير بخات المحامي 

والمدافع عن حقوق الإنسان 

 

 

 

منذ اندلاع حروب المركز ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الأسباب التي رفعت كشعارات لم تكن سوى غطاء لصراع على السلطة والثروة وأن أخطر ما استخدم فيها هو سلاح تفكيك النسيج الاجتماعي وتحويل النزاع من قضية وطن إلى صراع قبلي وجهوي وديني حتى صار الدم السوداني رخيصا في معادلات السياسة وسقطت كل ادعاءات حماية الوطن ووحدته

 

الحقيقة التي يحاول البعض الهروب منها أن السودان لم يكن يوما بلدا أحاديا ولن يكون فالتعدد فيه ليس طارئا بل هو الأصل في أرض تمتد فيها الجغرافيا من الصحراء إلى السافنا إلى الغابات ومن النيل إلى الوديان ومن الشرق إلى الغرب هذا التنوع في المناخ خلق أنماطا زراعية متعددة فهناك الزراعة المطرية في كردفان ودارفور والزراعة المروية في الجزيرة والشمالية والزراعة المختلطة في مناطق كثيرة حيث تتجاور الحقول مع المراعي وتتكامل الحياة

 

وفي هذا التنوع الزراعي نجد القمح والذرة والدخن والسمسم والفول السوداني والقطن وقصب السكر والعدس والخضروات والفواكه بمختلف أنواعها من المنقة إلى الموز إلى الجوافة إلى التمور هذا ليس مجرد إنتاج بل هو اقتصاد كامل قادر على الصمود لو أحسن إدارته

 

وكما تتنوع الأرض يتنوع ما عليها من ثروة حيوانية فالأبقار في السهول والأغنام والماعز في البوادي والإبل في الصحارى والدواجن في كل البيئات هذا التنوع ليس فائضا عن الحاجة بل هو ركيزة للأمن الغذائي ومورد اقتصادي ضخم لو تم استثماره بعقل وطني

 

أما الثقافة السودانية فهي عالم قائم بذاته تتجاور فيه أنماط الغناء من الدوبيت إلى الطمبور إلى الجراري إلى الوازا إلى الكمبلا وتتنوع فيه الرقصات والأزياء والعادات والتقاليد هذا الغنى الثقافي لا يضعف الهوية بل يوسعها ويجعلها أكثر إنسانية وأكثر قدرة على التعايش

 

وحتى في اللغة لا يوجد صوت واحد بل لهجات متعددة من الشمال إلى الشرق إلى الغرب إلى الوسط لكل منها نكهتها وتاريخها ومع ذلك يفهم السوداني أخاه السوداني لأن ما يجمعهم أعمق من اختلاف اللسان

 

التنوع إذن ليس مشكلة بل هو رأس مال ضخم لكن المشكلة حين يتحول إلى أداة إقصاء حين تحتكر مجموعة السلطة والثروة وتدعي أنها المركز وما عداها هامش وحين يستخدم الخطاب القبلي والديني لإشعال الفتن وحين تغيب الدولة العادلة التي تحمي الجميع بالقانون وتوزع الفرص بعدل

 

هنا فقط يصبح التنوع خطرا لا لأنه سيئ في ذاته بل لأن من يديرونه أساؤوا استخدامه فحولوه من طاقة بناء إلى وقود حرب

 

والأدهى أن من يهاجمون التنوع اليوم هم أنفسهم من فشلوا في بناء دولة عادلة وهم من زرعوا الكراهية ثم بكوا على حصادها وهم من رفعوا شعارات الوطنية والدين بينما كانت ممارساتهم تفضح زيف ادعاءاتهم لقد كشف الشعب السوداني كل الأكاذيب ولم يعد يقبل وصاية من أحد ولا يحتمل تكرار نفس الخطاب الذي قاده إلى الخراب

 

يا بنات وأبناء السودان إن قوتكم الحقيقية في هذا التنوع لا في إنكاره في اختلافكم لا في محوه في قدرتكم على تحويل هذا التعدد إلى وحدة قائمة على المواطنة والعدالة لا على الهيمنة والإقصاء

 

التنوع لم يكن يوما جريمة ولم يكن سببا للحرب والكراهية بل كان دائما فرصة للنهوض متى ما وجدت الإرادة السياسية العادلة والعقل الجمعي الواعي

 

المعركة الحقيقية اليوم ليست بين قبيلة وأخرى ولا بين جهة وأخرى بل بين فكرة دولة تستوعب الجميع وفكرة سلطة تحتكر الجميع فاختاروا ما يشبهكم اختاروا وطنا يسع كل ألوانه وأصواته لأن السودان لا يمكن أن يعيش إلا بكل أهله ولا يمكن أن ينهض إلا بكل تنوعه

 

 

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

١٠ /ابريل /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *