م عبدالملك زكريا علي مدخل: الجدلية السودانية بين الانهيار المؤسسي والنهوض الشعبي … ( زراعة الامل والتفاؤل ) يواجه السودان في منتصف العقد الحالي تساؤلاً وجودياً حول كينونته كدولة ؛ فبينما تشير كافة المؤشرات الإحصائية والسياسية إلى انزلاقه نحو مربع “الدولة الفاشلة” بمعاييرها الأكاديمية والواقعية ، تبرز في المقابل قوى اجتماعية واقتصادية كامنة توحي بإمكانية تحوله إلى “دولة واعدة” إذا ما تم استغلال مواردها وإرادتها بشكل صحيح . إن التوصيف الدقيق للحالة السودانية في الاعوام الاخيرة لبدايات الالفية الثالثة وما يتلوه للعام 2026م يتطلب تفكيك التناقض الصارخ بين انهيار المؤسسات المركزية وبين مرونة المجتمع المحلي والقطاعات الإنتاجية التقليدية التي أظهرت قدرة مذهلة على الصمود وسط نيران الحرب (الأهلية) الحالية . تُعرف الدولة الفاشلة في الأدبيات السياسية لاسيما لدى روبرت روتبرغ بأنها الكيان الذي يعجز عن توفير السلع السياسية الأساسية لمواطنيه ، وعلى رأسها الأمن والعدالة والخدمات العامة مع فقدان السيطرة على الإقليم الجغرافي ونشوء سلطات تُقاسم حكم الاقليم الجغرافي وبناءً على هذا التعريف ، فإن (السودان) الذي يعاني من نزاع مسلح مستمر منذ بدايات الاستقلال ونزاع وأبريل 2023م ، والذي ادي الي نزوح ولجؤ أكثر من 12.9 مليون شخص وما يزال وتدمير 70% من المنشآت الخدمية الصحية والتعلمية يبدو متطابقاً تماما مع معايير الفشل ومع ذلك فإن عبارة ” زراعة الأمل والتفاؤل” ليست مجرد شعار عاطفي بل هي توصيف لواقع يجب ان تقوده غرف ومبادرات مجتمعية تحل محل الدولة في توفير الغذاء والدواء والتعليم لتحقق ما عجزت عنه الأنظمة المركزية لسنوات والي يومنا هذا . وتشير مؤشرات الهشاشة والانهيار المؤسسي حيث يحتل السودان في العام 2024م المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر الدول الهشة بنتيجة بلغت 109.3 نقطة ، وهو تدهور مستمر يعكس عمق الأزمة السياسية والأمنية والادارية التي تعصف بالبلاد . إن هذا الترتيب المتقدم في قائمة الهشاشة الدولية ليس مجرد تصنيف رقمي بل هو نتاج لتقاطع أزمات متعددة تشمل التفتت العرقي ، وانهيار سيادة القانون ، وتفشي الفساد ، وفشل النخبة السياسية في التوصل إلى عقد اجتماعي يضمن الاستقرار ووحدة المجتمع . وتوضح البيانات المقارنة لمؤشر الدول الهشة تصاعد حدة الأزمة في السودان مقارنة بالسنوات السابقة مما يؤكد أن المسار الراهن يتجه نحو التحلل الشامل مالم تحدث تدخلات جذرية واليك القارئ الكريم بعض الامثلة والتي تشير الي درجة مؤشر الهشاشة : #- الحالة العامة (2021 | 105.2) #- مرحلة الانتقال الهش ( 2022 | 107.1 | +1.9) #- تصاعد التوتر السياسي (2023 | 106.2 | -0.9 ) #- اندلاع النزاع الشامل (2024 | 109.3 | +3.1) وهو تأكيد لتدهور حاد وفشل مؤسسي لازم الدولة وما يزال المصدر: مؤشر الدول الهشة ومؤسسة “Fund for Peace”. إن استمرار هذا المسار التنازلي أدى إلى تلاشي قدرة الدولة على أداء وظائفها السيادية ففي الوقت الحالي تتقاسم القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع السيطرة على الجغرافيا الوطنية مما خلق بيئة من “السيادات المتعددة” التي تفرض واقع مزدوج على المواطنين والقطاع الخاص تحديداً وهو ما يعمق من تكلفة المعيشة ويدفع بالنشاط الاقتصادي إلى القطاع غير الرسمي أو التهريب عبر الحدود … وهذ يقودنا الي ان الاقتصاد السوداني في عام 2025م مثلا اُصيب بصدمة التضخم وركود الحرب مما جعله يعاني من حالة “الركود وهي مزيج معقد من الانكماش الحاد في النمو مع ارتفاع فلكي في معدلات التضخم وتقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تشير إلى أن معدل التضخم وصل إلى 177% في عام 2024م ومن المتوقع أن يظل في حدود 100% خلال عام 2025م والعام الذي يليه وهذا المستوى من التضخم المفرط يعني تآكل المدخرات واختفاء الطبقة الوسطى حيث أصبحت تكلفة الغذاء الأساسي تفوق قدرة 26 مليون سوداني أي حوالي نصف السكان الذين يعانون حالياً من عدم القدرة علي توفير الحد الادني من الغذاء والتوقعات الماكرو-اقتصادية حتى عام 2026وبرغم قتامة المشهد تشير بعض النماذج الرياضية لصندوق النقد الدولي إلى إمكانية حدوث “تعافٍ فني” في عام 2026 مدفوعاً باستئناف محتمل لبعض الأنشطة الزراعية التقليدية والتعدينية في حال استقرار الجبهات القتالية وكبح جماح الفساد المستشري في (سلطة بورتسودان) ويجب قراءة أرقام النمو المتوقعة لعام 2026 (9.5%) بحذر شديد فهي تعكس نمواً من قاعدة منخفضة جداً بعد انكماش تراكمي تجاوز 35% في عامين كما أن هذا النمو لا يعني بالضرورة تحسن مستوى معيشة الأفراد حيث يظل التضخم عند مستويات 54.6% مما يبقي الضغط على الأسر الفقيرة التي تنفق معظم دخلها على الغذاء وهذه قراءة يجب التوقف عندها والتفكير خارج الصندوق للاعتبار منها … ومؤشرات انهيار العملة مقابل العملات الاجنبية والفجوة العالية جداً والتي بلغت تقريبا نسبة ٢١% ما بين السعر الرسمي والسوق الموازي وهذا نتيجة التوسع النقدي الذي لجأت الية سلطة بورتسودان لتمويل نفقات الحرب في ظل غياب الايرادات الضريبية … لماذا الحرب لماذا … تكلفة اقتصادية عالية جداً جداً فضلا عن روح الانسان والتي تعني نماء وإعمار … القارئ الكريم موارد الدولة المتوفرة والمعلومة والتي تجعل السودان دولة واعدة ولكنها تحولت مع سبق الاصرار الي محرك للحرب واستمرارها الذهب مثلاً والقطاع الزراعي المعطل .. والمحاصيل النقدية ذات القيمة الاستراتيجية كالصمغ العربي والسمسم والتي خبروّها دروب التهريب بدلا من القنوات الرسمية ليعم نفعها … والثروة الحيوانية … والاراضي الزراعية الشاسعة ومشروع الجزيرة كواحد من ركائز الامن الغذائي المحلي الاساسية . كان يمكن للموارد اعلاه وغيرها كُثر ان تكون أبرز الأسباب التي تجعل السودان “دولة واعدة” هذا فضلاً عن المورد البشري الاهم .. الانسان السوداني المشتت … دعونا نبذور الأمل والتفاؤل بحشد طاقات المجتمع المدني وشبكات استجابته الطوعية في ظل غياب الدولة وفشلها في تقديم الخدمات ونعتمدت على إرث السودان في العمل الجماعي المعروف بـ “النفير” نفير لايقاف الحرب ونفير لحشد الشباب والطاقات النسائية لسد الفراغ الإنساني بإدارة المطابخ الجماعية وتوفير المياه النظيفة وتقديم الخدمات الصحية الأساسية في بعض (احياء الخرطوم) ودارفور وكردفان والنيل الازرق وبعض مناطق سنار والنيل الابيض وان نجعل من هذا النموذج شرعية محلية تحظى بثقة المجتمعات لأنها نابعة منها وتخدم الجميع دون تمييز سياسي أو عرقي والاستفادة من قدرة هذا النموزج نموزج نفير الشباب والنساء التكيف باستخدام التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي لجمع التبرعات وتنسيق الجهود اللوجستية والتوطين الفعلي للمساعدات وتوجيه الدعم مباشرة إلى الفاعلين المحليين بدلاً من البيروقراطية الدولية المعقدة والاستفادة من التكيف التكنولوجي في تقديم خدمات التعليم عبر الانترنت ومراكز التعليم المجتمعي وخدمات الصحة ومبادرات نقل الخبرات والمهارات مهارات الداعمين الطبية والتعليمية والتكنولوجية الي الكوادر المحلية لتعزيز النظام الصحي والتعليمي المتهالك وبناء قاعدة بيانات شاملة تهدف إلى التحول الرقمي في تحديد الفجوات والاحتياجات من القاعدة لوصول المساعدات والخدمات لمستحقيها وتأسيس نظام مالي حديث يشجع على الشمول المالي والتخطيط التمنوي القاعدي … صحيح ان الشباب الان في الميدان والجبهات والمحاور … دعونا نزرع الامل والتفاؤل بيد ويد علي الزناد لتحقيق النصر وتسيخ قيم الحرية والعدالة وبناء الوطن من جديد وتحويل السودان الي دولة واعدة . #- دروس من التاريخ: تجارب رواندا وسيراليون مثال .. لا يعد السودان أول دولة تواجه هذا المستوى من الدمار ففي عام 1994م كانت رواندا في حالة انهيار تام بعد إبادة جماعية قضت على مليون شخص وشردت مليونين ومع ذلك استطاعت رواندا عبر “رؤية 2020” و “رؤية 2050” أن تتحول إلى نموذج عالمي في النمو الاقتصادي حيث خفضت معدلات الفقر من 78% في عام 1994م إلى 38% في 2017م حسب المتوفر من التقارير .. أما تجربة سيراليون فتقدم دروساً في أهمية “نزع السلاح وإعادة الدمج” (DDR) واللامركزية فرغم مقتل 50 ألف شخص في حرب أهلية (1991-2002) استطاعت سيراليون بناء مؤسسات ديمقراطية قوية وتحقيق معدلات نمو تجاوزت 20% في بعض سنوات ما بعد الحرب وتتلخص الدروس المستفادة للسودان في المصالحة الوطنية وبناء عقد اجتماعي جديد يتجاوز الانقسامات العرقية والاستثمار في رأس المال البشري والتركيز على الصحة والتعليم كأولوية قصوى وحشد المغتربين الداعمين المحرك الخفي للاقتصاد وهم يمثلون العمود الفقري لصمود الأسر السودانيةويجب الا تذهب هذه الاموال فقط للاستهلاك ، بل تساهم في تمويل ودعم المبادرات التعليمية وتوفير الأدوية المنقذة للحياة . إن التحدي هو كيفية تحويل هذه “التحويلات العاطفية” إلى “استثمارات تنموية” عبر منصات رقمية موثوقة ونظام بنكي مدرك لمهامه . #- الخلاصة والتوصيات الاستراتيجية إن السودان اليوم هو ساحة صراع بين قوى “الفشل” المتمثلة في الحرب والفساد والانهيار المؤسسي، وقوى “الوعد والامل والتفاؤل” المتمثلة في الموارد الطبيعية الهائلة وقوة المجتمع المدني الملهمة … إن الإجابة على سؤال “هل السودان دولة واعدة أم فاشلة” تكمن في القدرة على تحويل “بذور الأمل والتفاؤل” التي يزرعها السودانيون يومياً إلى سياسات وطنية مستدامة وعلي حكومة السلام والوحدة وتحالف تأسيس التقاط زمام المبادرة وتشجيع المبادرات آنفة الذكر وتحريك كل قطاعات المجتمع المكتوي بالحرب ونزع الطاقات السلبية واستنهاض الطاقات الايجابية الكامنة نتيجة الاحباطات المتراكمة وهكذا تُبزر بذرة زراعة الامل واستغلال الموارد بنزاهة وتوجيه عوائدها نحو التنمية الزراعية والخدمات الأساسية والتحول الرقمي لربط المناطق الريفية بدورة الاقتصاد الناهض من العدم (وسيلة الاستارلنك) إن السودان يمتلك كافة المقومات ليكون القوة الاقتصادية القادمة في أفريقيا فهو بلد الذهب والزراعة والموارد وبلد الشعب الذي لم تنكسر إرادته رغم أهوال الحرب إن “زراعة الأمل والتفاؤل” اليوم هي التي ستحدد ملامح “سودان الغد” سودان الحرية والعدالة والمساواة . اوقفوا الحرب وعودا للثكنات .. لا للحرب اوقفوا الحرب وعودا للثكنات .. لا للحرب اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب م. عبدالملك زكريا علي ابريل ٢٠٢٦م شارك تصفّح المقالات صباح محمد الحسن تكتب: تعنّت إضافي!! ميراث الدم وكسر الصمت