الجميل الفاضل يكتب من أخطبوط “الجمهورية الباليستية” في طهران، التي عجز العالم عن بتر أذرعها، أو كفكفتها، إلى حالة اختطاف حزب الله لقرار الحرب والسلم من بيروت، وتغوّل الحشد الشعبي على سيادة الدولة في بغداد، وتحدّي حماس لسلطة رام الله، ثم إلى اغتصاب جماعة أنصار الشريعة للحكم في صنعاء… تظلّ كلها نماذج تعكس أن جماعات “الإسلام السياسي”، مهما تباعدت بينها المذاهب أو فرّقتها الجغرافيا، تظل يدًا واحدة، وهدفًا واحدًا، وفكرةً واحدة. فكرةٌ أرجّح من خلالها أن حرب السودان ما هي إلا بطاقة حمراء أشهرها الإخوان المسلمون بوجه شعب أعزل، ما كان له أن يثور لاقتلاع من زرعهم الله هنا، ثم آتاهم الملك للحكم باسمه، وبتفويض مفتوح، بلا قيد ولا شرط، كما يتوهّمون. إذ هي حرب لا تنفصل، في تقديري، عمّا استقرّ في مؤخرة أدمغة الإخوان من ظنٍّ، عبّر عنه بصريح العبارة عمر البشير في إحدى اجتماعات هيئة شورى التنظيم، ناقلًا ما دار بينه وشيخه الترابي بعد إعلان الأخير حلّ ما يُسمّى بالحركة الإسلامية. قال البشير: “قلت له: الدولة ملك من يا شيخ حسن؟.. فنحن مقتنعون بأنها ملك للحركة الإسلامية”. بل وتأكيدًا لأن هذا القول قد تبعه بالفعل عمل؛ فوفق ما ورد في وثائقي لقناة “العربية”، عُرض في ثلاثة أجزاء تحت عنوان “الأسرار الكبرى.. جماعة الإخوان”، ظهر الرئيس المخلوع عمر البشير وهو يعترف، في جلسة سرية لأعلى سلطة تنظيمية، بفصل أكثر من (600) ألف سوداني من وظائفهم واستبدالهم بعناصر من الإخوان. وفي المقطع، كان البشير يقول: “الإخوان يتواجدون الآن في كل مفاصل الدولة.. كل مفاصل الدولة يمسك بها الإخوان.. ليس نحن فقط في القيادة.. كل المفاصل يسيطر عليها الإخوان.. والناس الذين عابوا علينا أننا أتينا بالإخوان، الآن شاهدوا ما حصل بمصر، لأن مفاصل الدولة كلها هناك ضد الإخوان.. أزالوهم في يوم واحد”. وهنا أيضًا كان البشير صريحًا للغاية في تبريره: لماذا وُضع “الإخوان” في كل مفاصل السلطة؟ فالإجابة البديهية المباشرة هي: لكي لا يحدث لهم ما حدث لإخوان مصر، الذين أُزيلوا في يوم واحد. بل ربما، ومن خلال توصيف المفكر الراحل منصور خالد لهذه الجماعة بأنها جماعة تتملكها شهوة تغيير العالم بأسره، يمكننا كذلك أن نفسّر لماذا هي أميل، في كل مواقفها، إلى الصدام مع العالم، ولمناطحة المجتمع الدولي. ذلك أن تنظيم “الإخوان” وحلفاءه قد درجوا، في كل مكان، على ألا يتورعوا عن الزجّ بالشعوب التي عاشوا وسطها أو حكموها في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل؛ صراعات تُصوّر العالم بكل تفاصيله ومفرداته كعدوٍّ تجب مناجزته على الدوام. ولعل فكرة المنازلة الدائمة والمستمرة للعالم، وبشتى السبل، قد نشأت على مظانّ فاسدة وتوهّمات كاذبة لا تزال تعشعش في الدماغ المركزي المسيطر على مثل هذه الجماعات حيثما وجدت: في إيران، ولبنان، والعراق، واليمن. انظر كيف يُحيل هنا القيادي الإخواني إبراهيم السنوسي، في برنامج “الكشاف” الذي كان يُبث على قناة سودانية (24)، تبريره لاستيلاء الإخوان على السلطة في السودان عبر انقلاب العام 1989، بقوله: إن الإخوان المسلمين قد تلقّوا صفعات من الجيوش في العالم الإسلامي حالت بينهم وبين التمكين في السلطة، مؤكدًا أن كل الحركات الإسلامية ضُربت من الجيوش؛ سواء في مصر، أو في باكستان بانقلاب أيوب خان، أو في العراق بانقلاب عبد الكريم قاسم، وفي سوريا كذلك، بل وحتى في الجزائر، حيث أحرزت جبهة الإنقاذ 81% من الأصوات، لكن الجيش منعها من الحكم. في حين يقطع الأب المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، بالقول: “الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يعتبر الحكومة ركنًا من أركان الدين، مثلها مثل الصلاة والصوم والحج”. فالتمكين كغاية، والعنف كوسيلة لبلوغ السلطة، هما من جوهر فكر الإخوان المسلمين؛ إذ أشار حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس إلى استخدام العنف والقوة بقوله: “عندما يكون منكم ثلاثمائة كتيبة، حينها سأغزو بكم كل جبار عنيد”. تصوّر… ثلاثمائة كتيبة تكفي لغزو العالم، إشباعًا لشهوة تغييره، واستكمالًا لأركان الإسلام بالركن السادس: “ركن الحكومة”. ولأهمية هذا الركن، الذي تحرص الحركة الإسلامية على الحفاظ عليه، حتى لو بإراقة كل الدماء، أو بإقامته على عرش من الجماجم… لا يهم. إنه حرص ليس بعيدًا تمامًا عن روح فتوى المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله الخميني، الذي قال: “إن الحفاظ على نظام ولاية الفقيه في إيران يعدّ من أوجب الواجبات، بل أهم من كافة القضايا الأخرى، مشيرًا إلى أن بقاء الجمهورية الإسلامية مقدّم حتى على الحفاظ على حياة الإمام المهدي نفسه”. لتلتقي الدائرتان… دائرة الترابي، ودائرة الخميني، لا في الشكل فحسب، بل في الجوهر كذلك: حيثُ تتقدَّم الفكرة على الإنسان، ويُختزل الوطن في المشروع، ويُعاد تعريف الحياة كوقود لاستحضار مثل هذه الحلم. هنا يمشي الناس في عالمٍ تتناسل فيه الظلال، تتشابه فيه الوجوه والكلمات، رغم اختلاف المذاهب والأمكنة والأسماء. لكن يظل النظر واحد. بعين لا ترى في هذا الكون الواسع العريض سوي أنه ساحةً أو فرصةً لتمكين مفترض، ولا في الإنسان إلا وسيلة لهذا التمكين أو للحفاظ عليه. شارك تصفّح المقالات مبادرة دارفور للعدالة والسلام ( بيان رقم 278) حول مجزرة كتم