عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان يكتب

حين ترفع الكرامة شعارا فوق ركام المدن وتستدعى الكلمات الكبيرة لتغطي جراحا يومية مفتوحة يصبح من الضروري مساءلة المعنى قبل ترديده فالأوطان لا تصان بالشعارات بل بما يتحقق فيها من أمن وعدل وعيش كريم وما يجري في السودان يكشف فجوة مؤلمة بين ما يقال وما يعاش حيث يتآكل الوطن لا بفعل عدو خارجي فحسب بل بفعل قرارات تدير الأزمة بمنطق القوة لا بمنطق الدولة وتستنزف الإنسان باسم الكرامة بينما تنتهك أبسط شروطها في الواقع

عندما يستنفر الشعب لا ليبني بل ليهدم وطنه وعندما تغلق المدارس وتدمر الجامعات وتتوقف المصانع وتتعطل سبل الحياة وتغيب معالم الأمان حتى يصبح الخوف هو القاعدة لا الاستثناء وعندما يتشرد الطلاب وتقتلع الأسر من جذورها وتفرغ المدن من أهلها ثم يرفع فوق هذا الخراب شعار الكرامة فإن الأمر لا يعود قابلا للتأويل بل يصبح دليلا على فشل كامل في إدارة الدولة وثبوت مسؤولية تقصيرية متعددة الأبعاد سياسية وقانونية وأخلاقية

الدولة في أصل معناها كيان وجد ليحمي الإنسان ويصون كرامته ويؤمن له التعليم والعمل والحياة الكريمة فإذا تحولت إلى سلطة تستنفر مواطنيها لحمل السلاح بدل القلم وتدفعهم إلى الخنادق بدل الحقول وتوجههم للهدم بدل البناء فإنها لا تمارس وظيفة الدولة بل تنقضها من أساسها وتدخل في حالة إنكار لذاتها لأن شرعيتها تقوم على الحماية لا على تعميم الخطر وعلى صيانة الحياة لا على تعريضها للفناء ومن يستدعي الجائع إلى القتال وهو عاجز عن تأمين قوت يومه لا يسعى إلى نصر بل يعيد إنتاج الفشل عبر تضحية بشرية ييلق عليها عجزه

إغلاق المدارس وتدمير الجامعات ليس أثرا جانبيا للحرب بل هو جريمة ممتدة في الزمن لأن التعليم حق أصيل تقره القواعد الدولية والإقليمية فقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل إنسان في التعليم كما نص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على التزام الدول بضمان هذا الحق بصورة تدريجية دون تمييز وأكدت اتفاقية حقوق الطفل ضرورة إتاحة التعليم وحمايته حتى في أوقات النزاعات وأي سلطة تتسبب عمدا أو إهمالا في حرمان جيل كامل من التعليم تكون قد أخلت بالتزام قانوني جسيم لا يقاس أثره بالحاضر فقط بل بما يخلقه من فراغ معرفي يهدد مستقبل المجتمع بأسره

وعلى المستوى الإقليمي شدد الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب على حماية الكرامة الإنسانية وحق الإنسان في التنمية كما أكد الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاه الطفل على حق الطفل في التعليم والحماية من آثار النزاعات المسلحة وهذه النصوص لا تترك مجالا لتبرير تدمير المؤسسات التعليمية أو تعطيلها بل تضع على عاتق الدولة واجبا إيجابيا في الحماية حتى في أقسى الظروف

أما على المستوى الاقتصادي فإن تعطيل المصانع وإيقاف الإنتاج وتدمير الأسواق يمثل انتهاكا مباشرا للحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي كفلتها المواثيق الدولية إذ يرتبط الحق في العمل والعيش الكريم بوجود بيئة آمنة ومستقرة وكل قرار يؤدي إلى شلل الإنتاج أو تهجير العمال أو تدمير البنية الاقتصادية هو في جوهره قرار بإفقار المجتمع وتجريده من أدوات البقاء وعندما تفرغ المدن من سكانها بفعل الرعب أو القصف أو انعدام الأمن فإن ذلك لا يمكن وصفه بأي معنى من معاني التحرير بل هو إعدام للفضاء المدني وتحويله إلى فراغ بلا حياة

النزوح واللجوء يمثلان أخطر تجليات هذا الفشل لأنهما يكشفان انهيار العلاقة بين الدولة ومواطنيها فالإنسان الذي يجبر على مغادرة بيته يفقد حقه في الأمان والاستقرار وقد أكدت اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني على حماية المدنيين وحظر التهجير القسري كما يقر النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بأن التهجير القسري جريمة يمكن أن ترتب مسؤولية جنائية دولية والدولة التي تدفع مواطنيها إلى طلب الحماية خارج حدودها تكون قد تخلت فعليا عن جوهر سيادتها لأن السيادة تقاس بقدرة الدولة على حماية مواطنيها لا بعلو الخطاب

رفع شعار الكرامة في ظل هذا الواقع لا يمكن فهمه إلا بوصفه محاولة لإعادة صياغة الفشل في صورة خطاب تعبوي فالكرامة ليست كلمة ترفع بل واقع يعاش في تفاصيل الحياة اليومية في المدرسة والعمل والبيت والطريق وعندما تنتهك هذه التفاصيل بصورة منهجية فإن الحديث عن الكرامة يتحول إلى تناقض أخلاقي واضح إذ لا يمكن الجمع بين انتهاك الإنسان والدفاع عنه في الوقت ذاته

الخلاصة أن ما يحدث ليس مجرد تعثر في الإدارة بل انهيار في مفهوم الدولة ذاته وأن المسؤولية هنا متداخلة سياسية وقانونية وأخلاقية وهي مسؤولية لا تسقط بالتقادم ولا تمحى بالخطاب بل تظل قائمة إلى أن تواجه باعتراف صريح ومحاسبة حقيقية وإصلاح يعيد بناء العلاقة بين الدولة والإنسان على أساس الحماية والحقوق لا على أساس الاستنزاف والتعبئة

في هذا السياق لا يحتاج السودان إلى مزيد من الشعارات بل إلى وقف فوري للحرب واستعادة لمسار الدولة بوصفها حامية لا مهددة وإلى مراجعة شاملة تعيد الاعتبار للإنسان باعتباره الغاية لا الوسيلة لأن الشعب الذي يُدفع لتدمير وطنه لن ينسى أن الخطر الحقيقي لم يكن خارج حدوده بل في القرار الذي استدعاه ليهدم ما يفترض أن يحميه

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

١٧ /ابريل /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *