الجميل الفاضل ليست هذه الحربُ، كما تبدو، مجردَ نزاعِ جنرالاتٍ علي خرائط وخطوط نار، بل هي انفتاقُ “خُراجٍ” قديم، ظلّ مكتومًا تحت جلد التاريخ، ضاق الجسدُ به أخيرا، فانفجر. هو خُراجُ وصفه محمد حسنين هيكل، بقسوة يوم قال: “لا توجد دولةٌ اسمها السودان، بل جغرافيا يرتع فيها من يرتع”. وكأنما كان يشير، لا إلى الأرض، بل إلى فراغ المعني الذي يلفها. وأمضي أبعد من ذلك لأقول اليوم: ليس ثمّة “شعبٌ” واحدٌ باسم السودان، إنما هي أرواحٌ شعوب متجاورة، لا تلتقي علي قواسم مشتركة، تحمل تواريخُ متنافرة، لا تصالح، ولا تقارب بينها. هنا شعوبٌ تسكن المكان ذاته، لكنها لا تسكن نفس رواية الماضي، وقصة التاريخ. منها من مضى، كجنوب السودان، حين ضاق به القفص فانفلت في 2011، ومنها من لا يزال واقفًا على تخوم الانتظار، معلّقًا بين أن يكون كما يريد، أو لا يكون. دعونا ننصت إلى أصوات الذين غابوا، وبقي أثرهم كالنقش في الصخر: الخاتم عدلان، الباقر العفيف، منصور خالد، ومحمد إبراهيم نقد، نجد أنهم لم يكونوا يصفون عرضًا عابرًا، بل كانوا ينقبون في عصب هذا الداء المزمن نفسه. قالوا جميعا: إن العطب في “الهوية”، في هذا القناع الذي لبسه السوداني طويلًا ظانا أنه وجهه. رأى الخاتم عدلان والباقر العفيف أن ما يجري ليس إلا صراعًا بين ذاتٍ مُنكَرة، وصورةٍ مُستعارة، وأن الروح السودانية أُكرِهت على التعريب، وتماهت مع بياضٍ لا يشبه سوادها الخصيب. بل مضى العفيف أبعد، فرأى في ذلك التماهي نوعًا من اغتراب النفس عن نفسها، حتى إذا نظرت في مرآتها، لم تتعرّف علي ذاتها. وفي كتابه “وجوه خلف الحرب”، لم تكن الحربُ عنده بنادقَ تعوي بالرصاص، بل كانت وجوهًا مكسورةً، ومعانيَ مطموسةً، ومشاريعَ سياسيةً أنكرت التعدد، فأنكرتها الحياة. أما الخاتم عدلان، فكان يرى في النخب وخاصةً الإسلاميين صانعي هذا الخنوع المذل: صورة خضوعٌ لمن يملك القوة، وبطشٌ بمن لا يملكها. ثم دعا الخاتم، كمن يستغيث بالمستقبل، إلى وحدةٍ تُبنى على الاختيار، لا القسر، وعلى المواطنة، لا الوصاية. ثم يأتي منصور خالد، ليفتح بابًا أعمق في سرداب التاريخ، حيث يقول: الرقّ ليس حادثةً، لكنه بنية عمود فقري لاقتصادٍ كامل. هناك، في سلطنتي الفونج والفور، لم يكن الإنسانُ شيئا مذكورا، بل سلعةً تُحمَل، وتُصدَّر، وتُدرَج في دفاتر التجارة. وحين عادت الحرب في 1983، عاد معها ذات الشبح القديم، لكن بثوبٍ جديد: نساءٌ يُختطفن، وأطفالٌ يُباعون، كأن التاريخ لم يتعلّم، وكأن الجرح لا يريد أن يلتئم. وربط منصور خالد في النهاية بين هذا الإرث الثقيل، وبين استبداد المركز، حيث تتحالف القوة مع الثروة، ويُدفع الوطن كله إلى نفقٍ بلا ضوء. أما محمد إبراهيم نقد، فأمسك بمفتاحٍ آخر: “الأرض”. قال: هنا يكمن السر. في الأرض التي تُملَك، ومن يملكها، يُحرَم منها. وما ينشأ فوقها من طبقاتٍ تتشكل، لا بالصدفة، بل بالقانون، والتاريخ، والقهر المقنّن. ولذا رأى أن تاريخ الأرض لم يكن إلا تاريخًا لصناعة الهيمنة. هكذا، تلتقي الأصوات الأربعة، لا على اختلافها، بل في عمقها: أنظر كيف تناول هؤلاء الرجال، أزمات السودان الهيكلية من منظور نقدي، تاريخي، واجتماعي، ركز من بينهم، الخاتم عدلان والباقر العفيف، على أن “أزمة الهوية” هي المحرك الرئيسي للنزاعات في السودان، معتبرين أن الشخصية السودانية تعاني من “تعريب قسري” وتبنّي لثقافة “بيضاء” (عربية) لا تعبر عن حقيقتها الإفريقية المتنوعة. فيما رأي الباقر العفيف أن السودانيين، في محاولتهم للتماهي مع الثقافة العربية التي تحتقر اللون الأسود، قاموا بتغييب ذواتهم الحقيقية، مما أدى إلى “اعتلال نفوسهم”. وفي كتابه “وجوه خلف الحرب”، فكك العفيف أزمة الهوية وعلاقتها بالحروب الأهلية، ملقياً باللوم على المشاريع السياسية التي تنكرت للتنوع. بيد أن الخاتم عدلان الذي عُرف بنقده الشديد للإسلاميين الذين اتهمهم بتحويل الشخصية السودانية إلى حالة من “الخنوع” أمام القوة والاستقواء على الضعفاء. داعيا إلى وحدة طوعية قائمة على المواطنة المتساوية التي تعترف بالتنوع. ومن جهته تناول الدكتور منصور خالد مسألة الرق في السودان في كتابه “قصة من بلدين”، موضحاً أن الاسترقاق لم يكن مجرد ممارسة عابرة، بل كان “عموداً فقرياً” لاقتصاد سلطنتي الفونج والفور. مشيرا إلى أن غرب السودان كان مصدراً للرقيق، حيث كان ملوك الكيرا يصدرون آلاف العبيد سنوياً إلى مصر وتركيا. والي ذلك ربط منصور خالد بين الاسترقاق الهيكلي والاستبداد السياسي الذي تمارسه النخب المركزية، مؤكداً أن السودان يعيش في “نفق مظلم” نتيجة تحالف النخب العسكرية والاقتصادية. فضلا عما قدمه السياسي البارز محمد إبراهيم نقد، في كتابه “علاقات الأرض في السودان – هوامش على وثائق تمليك الأرض”، من تحليل لجذور الأزمة السودانية. موضحا أن “قضية الأرض هي المفتاح لفهم التنمية والتخلف”، موثقاً كيف أدت القوانين الاستعمارية والوطنية إلى تشكيل “طبقة مهيمنة” من ملاك الأراضي وطبقات أخري “مستبعدة”. حيث أجرى نقد دراسة تاريخية معمقة حول “علاقات الرق” في السودان، معتبراً أن فهم هذه المؤسسة الاجتماعية والاقتصادية ضروري لفهم تركيبة المجتمع السوداني الحالية. ليتفق الأربعة: على أن جذور أزمات السودان تكمن في “المركزية”، سواء كانت ثقافية، اقتصادية، أو سياسية، وفي تجاهل التنوع وتاريخ الرق والاستبعاد، الأمر الذي أثر عميقاً على الشخصية السودانية وعلي تركيبتها الاجتماعية. حيث اردف نقد بالقول: أن قضية الأرض هي المفتاح لفهم التنمية والتخلف، والصراع والاستقرار في السودان. وإن تاريخ تملك الأرض هو، في جوهره، كان تاريخا لتشكيل طبقة مهيمنة. وكذا تحدث الدكتور الباقر العفيف، عن أزمة الهوية في السودان واصفا لها بأنها: متاهة قوم سود ذو ثقافة بيضاء، قائلا: أن السودانيين الذين عادة ما يتراوح لونهم بين الأسمر والأسود، قد أخضعوا أنفسهم تماماً لهذه الثقافة العربية، والتي هي جوهرياً ثقافة بيضاء”. عند هذا الجرح المفتوح، يتكثف السؤال: إلى أين؟ فما تعمّق اليوم ليس مجرد حرب، بل كشفٌ لما كان مخبوءًا، وإزاحةٌ لغطاء كان حجابا مؤقتا. ولذلك، فإن هذا الطريق ينشطر الآن أمامنا: إما انحدارٌ إلى قاع الانقسام، حيث تتفكك المعاني كما تفككت الجغرافيا، أو ارتقاءٌ شاق، نحو وطنٍ يُعاد اختراعه، وطنٍ لا يُقصي لونًا، ولا يُنكر صوتًا، ولا يطلب من أحدٍ أن يكون غير نفسه، كما ينبغي ان تكون. شارك تصفّح المقالات السودان ومؤتمر برلين 2026 صباح محمد الحسن قلق إقليمي!!