عبدالعزير بخات المحامي 

والمدافع عن حقوق الإنسان 

 

 

لم تعد حرب السودان مجرد نزاع مسلح عابر بل أصبحت ظاهرة تاريخية وسياسية وقانونية ممتدة تعكس فشل الدولة في تأسيس عقد اجتماعي مستقر منذ لحظة ما قبل الاستقلال ففي أغسطس 1955 اندلع تمرد توريت كإشارة مبكرة لانفجار التناقضات البنيوية التي لم تجد طريقها إلى المعالجة حتى اليوم وبحلول أبريل 2026 يكون السودان قد عاش ما يقارب سبعين عاما من الصراع المتقطع المتصل وهي حالة نادرة في التاريخ الحديث ليس من حيث طول المدة فحسب بل من حيث وحدة الأسباب واستمرار ذات البنية المنتجة للعنف رغم تغير الفاعلين والساحات

 

إن توصيف هذه الحالة لا يمكن أن يقوم على اعتبارها حروبا منفصلة بل هي في جوهرها حرب واحدة متعددة الوجوه بدأت في الجنوب ثم امتدت إلى دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وانتهت إلى قلب العاصمة الخرطوم والجامع بينها جميعا هو غياب مشروع وطني جامع وهيمنة مركز سياسي لم يتمكن من استيعاب التنوع أو إدارة الاختلاف بوسائل سلمية

 

من الناحية السياسية يكشف مسار الصراع عن خمسة عوامل بنيوية ظلت تغذي الحرب بصورة مستمرة أولها فشل النخبة الحاكمة في تأسيس دولة تقوم على المواطنة المتساوية حيث ورثت الدولة الاستعمارية دون إعادة صياغة عقد اجتماعي جديد يضمن العدالة في توزيع السلطة والثروة وثانيها عسكرة المجال العام حيث سيطر العسكريون على الحكم معظم سنوات الاستقلال وتحول الجيش من مؤسسة قومية إلى فاعل سياسي واقتصادي مما أدى إلى نشوء تشكيلات مسلحة موازية أضعفت احتكار الدولة للقوة وثالثها اقتصاد الحرب الذي حول الصراع إلى مورد مستدام عبر شبكات تهريب الذهب والسلاح واستغلال الإغاثة الأمر الذي جعل السلام يهدد مصالح قوى نافذة ورابعها الإفلات المستمر من العقاب حيث لم تتم مساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة مما كرس ثقافة العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة وخامسها التدويل السلبي للصراع حيث تحولت البلاد إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي تدعم فيه أطراف خارجية فاعلين محليين بما يمنع الحسم ويعطل التسوية

 

أما من الناحية القانونية فإن الوقائع المرتبطة بالحرب في السودان تندرج ضمن أخطر الجرائم الدولية وفقا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية واتفاقيات جنيف الأربع حيث تشمل جرائم حرب تتمثل في استهداف المدنيين والمنشآت الطبية ومنع وصول المساعدات الإنسانية وتشمل كذلك جرائم ضد الإنسانية مثل القتل المنهجي والتهجير القسري والعنف الجنسي واسع النطاق كما ترقى بعض الأفعال إلى مستوى الإبادة الجماعية كما حدث في دارفور في سنوات سابقة وتترتب على هذه الجرائم مسؤولية جنائية فردية لا تسقط بالتقادم وتشمل كل من خطط أو أمر أو نفذ أو علم ولم يمنع

 

وعلى المستوى الدستوري والسياسي فإن الدولة تكون قد أخلت بالتزامها الأساسي في حماية المواطنين وهو ما نصت عليه الوثائق الدستورية المتعاقبة الأمر الذي يضعف مشروعيتها القانونية ويحول السلطة من إطارها الشرعي إلى واقع قهري مفروض بالقوة كما أن تكرار نقض الاتفاقيات السياسية منذ أديس أبابا مرورا بنيفاشا والدوحة وصولا إلى جوبا يؤكد وجود نمط منهجي من عدم احترام الالتزامات التعاقدية وهو ما يقوض أي ثقة في عمليات السلام ويعيد إنتاج النزاع

 

وفي مقابل هذا المشهد يدفع الشعب السوداني الكلفة الأكبر حيث تتسع دائرة النزوح واللجوء وتتدهور الخدمات الأساسية ويتعرض جيل كامل لخسارة فرص التعليم والاستقرار بينما تستفيد من استمرار الحرب شبكة معقدة من الفاعلين تشمل قيادات عسكرية تحتمي من المساءلة وقوى سياسية توظف الصراع لإعادة إنتاج نفوذها إضافة إلى اقتصاد مواز قائم على الأزمات إلى جانب مصالح إقليمية ودولية تجد في ضعف السودان فرصة لتعظيم نفوذها

 

إن الخروج من هذه الدائرة يتطلب معالجة شاملة لا تقتصر على وقف إطلاق النار بل تمتد إلى تفكيك البنية التي تنتج الحرب وذلك عبر إعادة بناء مؤسسة عسكرية مهنية موحدة خاضعة للسلطة المدنية وإنهاء تعدد الجيوش وتأسيس سلطة مدنية كاملة الصلاحيات تستند إلى شرعية شعبية ودستورية وتنظيم مؤتمر دستوري جامع يعيد صياغة العلاقة بين مكونات الدولة ويؤسس لمبدأ المواطنة دون تمييز

 

كما يظل تحقيق العدالة شرطا لازما لأي سلام مستدام من خلال آليات عدالة انتقالية تضمن المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب إلى جانب كشف الحقيقة وجبر الضرر للضحايا وإعادة الاعتبار للمناطق المتأثرة بالحرب أما اقتصاديا فلا بد من استعادة الدولة لسيطرتها على الموارد العامة وتوجيهها نحو إعادة الإعمار والتنمية المتوازنة بما يزيل جذور التهميش ويخلق بدائل حقيقية للعنف

 

وفي البعد الاجتماعي تبرز أهمية إعادة بناء الوعي العام عبر التعليم والإعلام بما يعزز ثقافة التعايش السلمي ويحد من خطاب الكراهية مع تنفيذ برامج فعالة لنزع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة دمجهم في الحياة المدنية

 

إن استمرار الحرب لم يعد قدرا محتوما بل نتيجة مباشرة لاختيارات سياسية وقانونية يمكن تغييرها متى ما توفرت الإرادة الوطنية الصادقة فالشعب السوداني لا يطالب بأكثر من حقه الطبيعي في دولة تحميه وتوفر له شروط الحياة الكريمة وما لم تتحقق معادلة السلام والعدالة فإن البلاد ستظل رهينة لدورة عنف تعيد إنتاج نفسها أما إذا تم كسر هذه الحلقة فإن السودان يملك من الموارد البشرية والطبيعية ما يؤهله للتحول إلى نموذج للاستقرار والتنمية في الإقليم

 

 

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

٢١/ابريل /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *