عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان.. يكتب في بلاد كانت تعرف بالحياة اصبح تعريفها اليوم على خرائط النزوح واللجوء في بلاد كانت تغني للنيل صار الناس يعدون ايامهم بين خيمة وحدود وبين دواء مفقود ولقمة بعيدة كأن الوطن انكمش حتى صار حقيبة يحملها الهاربون وذكرى يقتاتون عليها حين يشتد الليل السودان اليوم ليس حكاية حرب فقط بل حكاية انقسام قاس بين عالمين لا يلتقيان عالم يصارع على الكرسي وعالم يصارع على البقاء عالم يملك القرار والسلاح والمنابر وعالم لا يملك سوى صبره ودموعه ورجاءه في غد لا يأتي في الاعلى تدار المعارك بلغة السيادة والكرامة والحسم العسكري تكتب البيانات وتعقد الصفقات وترسم الخطط كأن الوطن رقعة شطرنج وكأن البشر ارقام قابلة للحذف والاستبدال وفي الاسفل تدار معركة اخرى اكثر صدقا واشد قسوة معركة الخبز والدواء والمأوى حيث الام تسال كيف تطعم ابناءها قبل ان تسال من يحكم وحيث الطفل يتعلم الخوف قبل ان يتعلم الحروف كلما اشتعل صراع الكراسي خمدت نار الحياة في صدور الناس وكلما تمددت البنادق انكمشت موائد الطعام حتى صار الجوع سياسة غير معلنة وصار الفقر سلاحا يدار به الصراع انهم لا يكتفون بادارة الحرب بل يصنعون بيئة لا تعيش الا بها فيغيب الاستثمار وتغلق المدارس وتتحول الحقول الى ميادين الغام ويدفع الشباب دفعا الى البندقية كخيار وحيد للعيش ومع الحرب يولد الفساد بلا خجل تنهب الموارد وتسرق القوت باسم الضرورة وتغلق ابواب المحاسبة بحجة ان الوقت لا يحتمل المساءلة فيتحول المال العام الى غنيمة وتتحول الدولة الى سوق مفتوح للقوة ويصبح الوطن نفسه مشروعا للنهب تحت لافتات تخفي خرابا لا يوصف ثم ياتي النزوح كاقسى وجوه المأساة ملايين خرجوا من بيوتهم لا لانهم يريدون الرحيل بل لان البقاء صار مستحيلا تحول المنتجون الى طالبي اعانة والمزارع الى لاجئ والطبيب الى عابر حدود والمعلم الى ذكرى في ذاكرة طلابه لم يعد النزوح حادثا عابرا بل صار هو القاعدة وصارت العودة حلما مؤجلا وبكل اسف لم يعد الصراع داخل السودان فقط بل امتد الى خارجه حيث اصبح الشعب كله تقريبا لاجئا في دول الجوار يصارع المرض والموت والذل وانكسار الكرامة يقف في طوابير المساعدات كما كان يقف في طوابير الخبز يبدل ارضه بخيمة وبيته بظل مؤقت ويكتشف كل يوم ان الغربة ليست مكانا فقط بل حالة من الانكسار الداخلي وفي قلب هذا كله ترتكب جريمة اكبر جريمة تحويل الحرب الى قيمة اخلاقية وتقديمها تحت مسمى الكرامة بينما تسلب الكرامة الحقيقية من الناس كرامة العيش وكرامة الصحة وكرامة التعليم وكرامة الامان تذبح هذه القيم كل يوم باسم شعارات لا تطعم جائعا ولا تعالج مريضا ولا تعيد طفلا الى مدرسته ان ما يحدث ليس فقط مأساة انسانية بل انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي التي اقرت حق الانسان في الحياة والكرامة والغذاء والعلاج والتعليم وهي حقوق نصت عليها المواثيق العالمية مثل الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقيات جنيف التي تلزم اطراف النزاع بحماية المدنيين وعدم استخدامهم كوسيلة ضغط او كضحايا للصراع كما ان القانون الدولي الانساني يجرم استهداف البنية التحتية المدنية وتجويع السكان ويعتبره جريمة حرب لا تسقط بالتقادم لكن القوانين على عدالتها تبقى حبرا على ورق حين تغيب الارادة وحين يترك الشعب وحده في مواجهة آلة الحرب بلا حماية حقيقية ولا مساءلة عادلة وهنا تتجلى المأساة الكبرى ليس فقط في وقوع الانتهاك بل في استمراره دون رادع ورغم كل هذا فان الحقيقة التي لا يمكن دفنها ان صراع اللقمة هو الاصدق والابقى وان الشعوب مهما طال جوعها لا تموت بل تتغير وتبحث عن طريق اخر للحياة قد يصمت الجائع لكنه لا ينسى وقد يتفرق الناس تحت ضغط الخوف لكنهم يحملون في داخلهم بذرة التغيير ان السودان لا يحتاج الى منتصر في حرب الكراسي بل يحتاج الى نهاية هذه الحرب نفسها يحتاج الى دولة تعيد تعريف الكرامة على اساس الانسان لا السلاح وعلى اساس الحياة لا الموت دولة تجعل الخبز حقا لا منحة وتجعل العلاج واجبا لا امتيازا وتجعل التعليم طريقا لا رفاهية ما بين الكرسي واللقمة قصة وطن يتألم وما بين السلاح والجوع حقيقة لا يمكن انكارها ان هذه الحرب لم تكن يوما من اجل الشعب بل كانت عليه وان الكرامة التي ترفع شعارا لا معنى لها ان لم تترجم الى حياة كريمة للناس وفي النهاية يبقى السؤال معلقا في صدور الجميع كم من الجوع يحتاج هذا الوطن ليقول كفى وكم من الالم يحتاج ليعود الى نفسه وطن لا يطعم ابناءه ولا يحميهم ولا يصون كرامتهم ليس وطنا بالمعنى الحقيقي بل ساحة مفتوحة للخذلان وهذا ليس وصفا عابرا بل حقيقة مرة يكتبها الجوع كل يوم على وجوه الناس ويؤكدها التاريخ ان الشعوب التي تترك للجوع لا تبقى صامتة الى الابد وان الكراسي التي لا تسمع انين الجائعين لا تدوم نواصل بمشيئة الله بتاريخ ٢٢/ابريل 2026 شارك تصفّح المقالات إدمانَ احتواء القتلة: عندما تصبح مؤسسة الجيش السوداني “حاضنة” للميليشيات وعصابات القناع الاسود (الضباحين) صباح محمد الحسن تتحدث عن زيارة البرهان الى السعودية وتكتب: تدارك