بقلم: نفيسة حجر لم تعد المسألة مجرد “اختراق” عابر أو “تغلغل” تنظيمي. نحن الآن أمام واقع كارثي يتجاوز كل الخطوط الحمراء: نحن أمام جيشٍ أدمنَ احتواء القتلة، وشرعنة الإجرام، وتحويل مؤسسة القوات المسلحة إلى “حاضنة” رسمية لكل من تلطخت يداه بدماء السودانيين. إن ما كشفه الفيديو الصادم لما يسمى “قوة العمل الخاص ” الضباحين”، بحضور ومباركة قيادات عسكرية رفيعة، ليس مجرد سقطة إعلامية، بل هو “وثيقة إدانة” تثبت أن بوصلة المؤسسة العسكرية قد انحرفت تماماً لتصبح مظلة شرعية لجرائم الحرب والارتزاق. تأملوا في المشهد الذي تحاول “غرف إعلام الفلول” تجميله. كيف يمكن لمؤسسة تدعي المهنية أن تفتح أبوابها لتصبح ملجأً لهذا الثالوث الإجرامي؟ بدءاً بـ ميليشيات الحركة الإسلامية مثل البراء بن مالك و(كتائب الظل ) وعلى رأسها “الضباحون” ، التي تخلع أقنعتها أمام الجنرالات لتعلن بصلف عن “عقيدة الذبح” الممتدة منذ عام 1997، معتبرة الجيش مجرد واجهة لجهادها المزعوم، مروراً بـ حركات دارفور المسلحة التي باعت قضيتها وتحولت من المطالبة بالحقوق إلى “مرتزقة” يقاتلون تحت راية الجيش مقابل فتات السلطة والمال، وصولاً إلى المنشقين والقتلة المأجورين أمثال “كيكل” و”النور القبة”، الذين استُقبلوا استقبال الفاتحين وارتموا في أحضان الجيش “بدلاً من اقتيادهم للمحاكم الجنائية عما ارتكبوه من فظائع بحق المدنيين. هذا التحالف ليس “ضرورة عسكرية”، بل هو إعلان صريح بأن الجيش السوداني قد تم تسليمه “تسليم مفتاح” لكل من يملك بندقية خارج إطار القانون، ليتحول من “حامي الحمى” إلى حاضنة تجمع شتات القتلة والانتهازيين. وحين يبارك لواء في الجيش (اللواء سامي الطيب) لمجموعة تطلق على نفسها اسم “الضباحين”، فهو لا يتحدث عن “كرامة”، بل يضع “صك غفران” رسمي خلف مشاهد الرؤوس المقطوعة وبقر البطون التي صدمت الضمير الإنساني. إن هذا الاحتواء العلني لفلول النظام البائد وحركات الارتزاق الدارفورية هو الذي يفسر لماذا تُرتكب أبشع الجرائم اليوم تحت سمع وبصر الاستخبارات العسكرية؛ فالقاتل هنا لا يخشى القانون، لأنه يستمد شرعيته من “حضن الجيش”. إن استراتيجية “اللحام المباشر” التي يمارسها الكيزان حالياً، عبر إقحام الجيش في تحالفات مع حركات مسلحة وميليشيات عقائدية، هي عملية انتحار جماعي للمؤسسة. هم يربطون عنق الجيش بحبل مشنقتهم، فإذا حوسبوا دولياً على إرهابهم، جروا معهم تاريخ الجندي السوداني إلى المقصلة. إن “العروش” التي تظن قيادة بورتسودان أنها تحميها عبر التحالف مع الميليشيات والقتلة، هي عروش مهتزة تزلزلها دماء الأبرياء. الجيش الذي يحتمي بـ “كيكل” ويفتخر بـ “الضباحين” ويستقوي بمرتزقة الحركات، هو جيشٌ فقد مبرر وجوده الأخلاقي والدستوري. كيف سيواجه هؤلاء القادة المجتمع الدولي وهم يوثقون بأنفسهم احتضان مجموعات إرهابية وحركات مسلحة خارجة عن القانون؟ وكيف سيقنعون الشعب بـ “دولة المؤسسات” وهم يحكمون بمباركة “عصابة القناع الأسود”؟ آخر قولي.. لقد سقطت الأقنعة فعلياً قبل أن يخلعها هؤلاء المرتزقة في الفيديو؛ فمن يزرع “الضباحين” والمليشيات في أرضه، لن يحصد إلا الخراب والعزلة الدولية. إن تحويل الجيش إلى “حاضنة للقتلة” ولحركات الارتزاق هو الخيانة العظمى بعينها، والعدالة لن تتغاضى عن جيشٍ استبدل “قانون القوات المسلحة” بسكاكين “الفلول” وبنادق “المرتزقة”. سيذكر التاريخ أنكم كنتم “المظلة” التي مر من تحتها القتلة لتمزيق ما تبقى من جسد الوطن، وإن غداً لناظره قريب شارك تصفّح المقالات تحالف النخب النيلية مع مصر كرسي السلطة وجوع الشعب