عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان ..يكتب

لم تعد معركة السياسة في السودان معركة شعارات او بيانات بل اصبحت معركة وعي ومعرفة باساليب الهدم التي تدار في الخفاء فالتاريخ القريب علم السودانيين ان اخطر ما يواجه التنظيمات السياسية ليس القمع المباشر بل التفكيك البطيء الذي يضربها من الداخل حتى تنهار دون صوت

جيل اليوم ليس جيل 1989 ذلك الجيل الذي تمت مباغتته بالانقلاب والخطاب الاحادي والتمكين الصامت اما اليوم فهناك ذاكرة متراكمة وتجارب مريرة كشفت كيف تدار الدولة حين تقع في قبضة مشروع ايديولوجي يستخدم السياسة غطاء للسيطرة لا وسيلة للتنافس الشريف

الحركة الاسلامية في السودان لم تعتمد فقط على السيطرة عبر السلطة بل طورت عبر عقود ادوات تفكيك دقيقة تستهدف الاحزاب والتنظيمات ثم تمتد الى المجتمع نفسه هذه الادوات تقوم على الاختراق وزرع الشكوك وتغذية الصراعات الداخلية حتى يتحول الجسم الواحد الى اجسام متناحرة تفقد القدرة على الفعل

يتم ذلك عبر ادخال عناصر داخل التنظيمات لا لتقويتها بل لدفعها نحو مواقف متطرفة او قرارات متسرعة ثم خلق حالة من عدم الثقة بين اعضائها فيصبح كل فرد مشكوكا فيه وتضيع البوصلة بين الشكوك والاتهامات

ويتم ايضا عبر صناعة قيادات متنافسة داخل الكيان الواحد حيث يتم دعم اطراف ضد اخرى بشكل غير مباشر حتى يتحول الخلاف الطبيعي الى انقسام حاد يفتت التنظيم ويضعفه

سلاح التخوين كان ولا يزال الاداة الاكثر استخداما حيث يتم اطلاق اتهامات بلا دليل لتدمير السمعة المعنوية للقيادات فالقائد الذي يفقد ثقة قواعده لا يستطيع القيادة حتى لو كان صادقا وهذه المعركة نفسية قبل ان تكون سياسية

ولا يتوقف الامر عند الاحزاب بل يمتد الى القبائل حيث تستخدم نفس الاساليب لتفكيك البنية الاجتماعية عبر اشعال النزاعات الداخلية وتغذية الانقسامات بين المكونات المختلفة حتى يفقد المجتمع تماسكه ويصبح اكثر قابلية للسيطرة

كما يستهدف النسيج الاجتماعي السوداني عبر نشر خطاب الكراهية والياس وبث فكرة ان لا احد يستحق الثقة ولا يوجد امل في التغيير وهذا اخطر اشكال التفكيك لان المجتمع عندما يفقد ثقته في نفسه يسهل قياده من اي قوة منظمة

هذه الممارسات ليست صدفة بل هي جزء من منهج يقوم على اضعاف كل جسم مستقل يمكن ان يشكل تهديدا للسلطة لذلك كان تفكيك الاحزاب والنقابات والروابط المهنية والقبلية خطوة اساسية لضمان البقاء في الحكم

لكن الحقيقة التي يجب تثبيتها ان الشعب السوداني لم يعد كما كان لقد مر بتجارب قاسية كشفت له هذه الاساليب واصبح اكثر قدرة على تمييزها والتعامل معها الوعي اليوم هو خط الدفاع الاول والتنظيم الواعي هو الحصن الحقيقي

المعركة لم تعد فقط ضد سلطة او تنظيم بل ضد طريقة تفكير تقوم على الهدم من الداخل لذلك فان مواجهة هذا السلاح لا تكون بردود فعل عاطفية بل ببناء تنظيمات شفافة واضحة تحسم خلافاتها داخليا وتغلق ابواب الشك والتخوين

الشعب السوداني اليوم يعرف ان الاختلاف ليس مشكلة بل ان تحويله الى صراع هو المشكلة ويعرف ان التخوين ليس حقيقة بل اداة ويعرف ان التفكيك يبدأ عندما يغيب الوعي

لقد وعي السودانيون الدرس ولم يعد ممكنا اعادة انتاج نفس السيناريو لان الزمن تغير والناس تغيرت والادوات التي كانت تنجح في الظلام لم تعد تعمل في زمن انكشاف الحقائق

المعركة مستمرة لكنها اليوم معركة وعي ومن يملك الوعي يملك القدرة على حماية نفسه وتنظيمه ومجتمعه من كل محاولات التفكيك والهدم.

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

٢٥ /ابريل /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *