بقلم: نفيسة حجر إن أزمة العدالة في السودان لم تعد مجرد خلل عارض في بنية الدولة، بل استحالت إلى “انهيار هيكلي مقصود” يهدد وجود المجتمع ذاته. فالسلام الذي يُبنى على جماجم الضحايا ويُعمّد بمداد “العفو السياسي” ليس إلا تأجيلاً لانفجار قادم إذ إن إيهام الشعوب بأن التنازل عن القصاص هو ثمن الاستقرار يعد أكبر عملية تضليل حقوقي في تاريخنا الحديث. فالعدالة ليست عقبة في طريق السلام، بل هي الضمانة الوحيدة لعدم انهياره، وشرعنة “الإفلات من العقاب” بجرة قلم سيادية هي بمثابة رصاصة الرحمة في صدر أي مشروع وطني للاستقرار. لقد بدأت جذور هذا الانهيار بعملية “تجريف” ممنهجة استهدفت استقلال الجهاز القضائي منذ عقود، حين عملت جماعة الإسلام السياسي على “أدلجة” المنصة القضائية وتدجينها عبر التجنيد القسري للقضاة في صفوف الدفاع الشعبي وإشراكهم في الحروب. هذا التخريب لم يقف عند حد المشاركة العسكرية، بل امتد ليشمل “أمننة القضاء والنيابة العامة” وجميع المؤسسات العدلية وهو واقعٌ مرير ذو رائحةٌ أزكمت الأنوف، حيث تحول قضاة إلى ضباط فعليين في جهاز الأمن والمخابرات يتجسسون على زملائهم. وبسبب هذا الاختراق الأمني، يعيش القضاة في حالة من الرعب الدائم من الإقالة أو النقل التعسفي؛ فكل قاضٍ لا يمتثل للأوامر أو يُظهر استقلالاً في رأيه، يُنفى إلى ما يسمى بـ “مناطق الشدة”. إن تحويل ولايات مثل كردفان ودارفور إلى “منفى” للعقاب هو إهانة مضاعفة: إهانة للقاضي الشريف، وإهانة لسكان تلك المناطق الذين يُرسل إليهم “قضاة مغضوب عليهم” كعقوبة، مما حول العدالة إلى رهينة في يد “التقارير الأمنية” التي تحدد مصير القاضي قبل مصير القضية. هذا التدجين الطويل أدى بالضرورة إلى انحدار العدالة لتصبح مجرد “بوقٍ أجير” يردد إرادة السلطة التنفيذية، حيث تُصاغ بعض الأحكام المتعلقة بفساد بعض علية القوم والذين تربطهم مصالح بمن هم في السلطةاو من يوالون النظام في الغرف السيادية ويقتصر دور القاضي على تلاوة “فرمانات” الحاكم تجنباً لبطش “الزملاء المخبِرين”. ويتجلى هذا التواطؤ المؤسسي في “جريمة الصمت” التي يمارسها النائب العام حيال جرائم معلومة للكافة فبينما يفرض القانون عليه تحريك الإجراءات وفتح الدعاوى الجنائية فور علمه بوقوع الجريمة، نراه يغض الطرف عن انتهاكات موثقة ارتكبها أشخاص مثل “أبو عاقلة كيكل” و”بقال” و”النور القبة”. إن المفارقة المخزية تكمن في أن النيابة العامة التي تصاب بالعمى القانوني أمام القتلة، تنشط بكامل توحشها لملاحقة وتلفيق التهم لرافضي الحرب، في ظل وجود وزير عدل انصرف عن مهامه الدستورية ليعمل “ترزياً” يحيك النصوص القانونية المفصلة لتوفير الحصانة للحلفاء وتصفية الخصوم، بل وذهب أبعد من ذلك حين شوهد وهو يعانق “المصباح طلحة” قائد كتيبة “البراء بن مالك” في قرية “أم شجر”؛ وهي الكتيبة التي تتبع لتنظيم الحركة الإسلامية المصنف إرهابياً، في مشهد يكرس علانية لدمج القانون في عباءة التنظيمات الظلامية. لقد كان إقحام الجرائم الدولية في القانون الجنائي السوداني عام 2009 مجرد “فخ تشريعي” استباقي للالتفاف على الاختصاص الدولي ومنح الجناة غطاءً قانونياً محلياً زائفاً. واليوم، نرى كيف تُستخدم هذه النصوص كـ “ورقة مقايضة”؛ حيث يصدر البرهان عفواً سيادياً عن مرتكبي المجازر مقابل ولائهم السياسي، وهو عفوٌ باطل قانوناً وأخلاقاً وشرعاً. إن صمت الجهاز القضائي والنيابة عن هذا التغول السيادي هو “تواطؤ جنائي صريح” يعلن للعالم أن القضاء الوطني “غير راغب وغير قادر” على المحاسبة، بل وأصبح شريكاً في الجريمة عبر الصمت والمباركة. إن أي محاولة لشرعنة الإفلات من العقاب تحت دعاوى “المصلحة الوطنية” هي مقامرة بمستقبل الأجيال، فالحصانة للجناة هي “تفويض رسمي” بارتكاب جرائم جديدة. ولن يصحح مسار الدولة إلا بهدم موروث “الأدلجة” وبناء مؤسسة عدلية تنتمي للحق لا للنظام. فالجهاز القضائي والنيابة اللذان يُداران بعقلية “النفي والترهيب” ووزارة العدل التي تعانق قادة الكتائب الإرهابية، هي منظومة فاقدة للشرعية، ومن يتولى أمانة العدل يجب أن يدرك أن الحق لا يسقط بصفقات سياسية مشبوهة. آخر قولي: إن العفو خيار حصري لصاحب الحق إن قبله، وليس “منحة” من حاكم يفرضه ليحمي بها حلفاءه. السلام الحقيقي يبدأ عندما يرتجف المجرم أمام القانون، لا عندما يرتجف القاضي خوفاً من النقل، أو عندما يرتمي وزير العدل في أحضان قادة الكتائب المسلحة. فالقاضي الضابط الذي يحمل السلاح، والنائب العام الذي يطارد دعاة السلام ويغسل جرائم القتلة، والحاكم الذي يتاجر بالدماء عبر العفو السيادي؛ هم شركاء في “تحالف إجرامي” يقتل العدالة مرتين، والحق لا يموت طالما بقيت هناك أصوات ترفض المساومة على القصاص. شارك تصفّح المقالات الحركة الاسلامية وسلاح التفكيك الناعم الشعب السوداني تعلم الدرس