جيش ام سوق سلاح

أبريل 26, 2026

عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان ..يكتب

هذا اعتراف وليس مقال

اعتراف بان الشعار الذي كنا نردده جيش واحد شعب واحد لم يمت فقط بل تم دفنه بايدي من صنعوه ثم جلسوا يبكون عليه امام الكاميرات

من الذي قرر ان الجيش مؤسسة مهنية ام ساحة مفتوحة لكل تنظيم وكل جماعة وكل فكرة مسلحة

ومن الذي اقنعنا ان عسكرة الحياة المدنية قدر وليست جريمة

كيف صار الزي العسكري مباحا لكل من هب ودب ثم نطلب من الناس احترام هيبة القوات المسلحة

اي هيبة هذه التي تذوب كلما اختلطت بالبزات المقلدة والولاءات المتعددة

بعد انقلاب 1989 لم يعد السؤال كم عدد الجنود بل كم عدد الولاءات داخل الجندي الواحد

كم جماعة دخلت

كم كتيبة خرجت من رحم السياسة ثم لبست زي الدولة

كم عقل تم استبداله بعقيدة تنظيم

وكم ضابط صار يقاس قربه من التنظيم لا كفاءته في الميدان

نحن امام جيش تم حقنه باجسام غريبة حتى فقد مناعته

فهل يلام الجسد اذا انهار ام الطبيب الذي ادخل السم على انه دواء

كيف نقنع انفسنا ان ما حدث اصلاح وهو في حقيقته تفكيك بطيء

كيف نبرر ان تتحول المؤسسة التي يفترض ان تحتكر السلاح الى مظلة تتقاسمها التشكيلات

القانون لم يكن غامضا لكن تم تجاوزه بوعي كامل

قانون القوات المسلحة لسنة 2007 يتحدث بوضوح

المادة 5 تقرر ان القوات المسلحة قوة قومية واحدة مهنية غير حزبية

المادة 6 تنص على ان القائد العام هو المسؤول الاول عن القيادة والسيطرة

المادة 8 تحدد الواجب في حماية الدستور والوطن وليس حماية اي تنظيم

المادة 34 تجرم الافعال التي تخل بالانضباط العسكري وتعرض مرتكبها لعقوبات قد تصل السجن والفصل

فكيف تصبح غير حزبية وهي محشوة بولاءات سياسية

وكيف تكون واحدة وهي عمليا متعددة الرؤوس

المادة التي تقرر ان القائد العام هو المسؤول عن السيطرة والقيادة

اين هذه السيطرة عندما تتوزع مراكز القرار خارج التسلسل العسكري

واين القيادة عندما يصبح الامر تفاوضا بين قوى داخل نفس الزي

قوانين الدولة المالية واضحة

قانون الاجراءات المالية والمحاسبية لسنة 2007 المادة 15 تحظر على اي جهة عامة تحصيل او انفاق اموال خارج الخزانة العامة

المخالفة تعرض المسؤول للمساءلة الجنائية والادارية

قانون الاسلحة والذخيرة لسنة 1986 المعدل

المادة 26 تجرم حيازة السلاح او الذخيرة دون ترخيص

العقوبة تصل الى السجن والغرامة ومصادرة السلاح

القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 يضع النص الصارخ

المادة 65 انشاء او تنظيم قوات مسلحة او شبه عسكرية دون سند قانوني

العقوبة السجن مدة قد تصل الى عشر سنوات مع جواز المصادرة

المادة 66 التدريب غير المشروع على السلاح او ادارة معسكرات دون ترخيص

العقوبة السجن والغرامة

المادة 69 اثارة الحرب ضد الدولة او تقويض النظام الدستوري

العقوبة قد تصل الى الاعدام او السجن المؤبد

الدساتير السودانية المتعاقبة كررت نفس المبدأ

دستور 2005 الانتقالي المادة 144 تنص على ان القوات المسلحة قوة قومية مهمتها حماية البلاد ولا تتدخل في السياسة

الوثيقة الدستورية 2019 المادة 34 تؤكد خضوع القوات النظامية للقانون وحظر النشاط الحزبي داخلها

كما تجرم اي تكوين مسلح خارج اطار القوات النظامية

وانتحال الزي العسكري او استخدامه دون صفة رسمية فعل مجرم في القوانين العسكرية والجنائية

يعرض مرتكبه للسجن والغرامة لما يمثله من اعتداء على هيبة الدولة

فهل كانت النصوص ضعيفة ام ان الارادة كانت اقوى في خرقها

السخرية المرة اننا نجرم المواطن اذا ارتدى زي عسكري في مناسبة

لكننا نصمت حين تتحول مجموعات كاملة الى كيانات مسلحة داخل الدولة

اي منطق هذا الذي يعاقب الفرد ويكافئ الظاهرة

ثم نسال السؤال الذي نخافه

كيف دخلت كل هذه التشكيلات الى داخل المشهد العسكري

قوات الحركة الشعبية جناح عقار

درع السودان

كتيبة البراء بن مالك

وغيرها من التكوينات التي نشات خارج الاطر المهنية ثم وجدت لنفسها موطئ قدم داخل الدولة

هل هذه قوات قومية ام جيوش بمرجعيات متعددة

هل تخضع كلها لنص واحد ام لكل منها قانونها الخاص

ومن يحاسب من اذا تضاربت الاوامر

نقول نريد جيشا واحدا

لكن هل نريد فعلا جيشا ام نريد مظلة تتسع للجميع بلا قواعد

هل نريد مؤسسة ام نريد تحالفا مسلحا باسم المؤسسة

هل نريد دولة ام مجرد اسم فوق خريطة تتقاسمها القوى

الحقيقة التي نحاول الهروب منها ان هيبة القوات المسلحة لم تسقط فجاة

بل تآكلت كلما تم التساهل مع خرق

وكلما تم ادخال جسم غريب

وكلما تم تسييس القرار العسكري

حتى وصلنا الى لحظة لم يعد فيها السؤال كيف نحافظ على الهيبة

بل هل تبقى منها شيء اصلا

هذا اعتراف بان الخلل كان ممنهجا

وبان عسكرة الحياة المدنية لم تكن حادثا عابرا بل سياسة

وبان السكوت كان شراكة

والتبرير كان غطاء

فهل نملك الشجاعة لنقول ان ما حدث كان خطأ كبيرا

ام سنواصل ترديد الشعارات بينما الواقع يضحك بصوت عال

القاعدة التي لا تريد ان تسمع

الدولة التي لا تحتكر السلاح لا تبقى دولة

والجيش الذي يقبل التعدد داخله يفقد نفسه قبل ان يفقد معاركه

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

٢٦ /ابريل 2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *