بقلم: آدم الحاج عبدالله عبدالرحمن أديب المقدمة: معادلة البقاء المستحيلة في لحظة سياسية هي الأكثر تعقيداً في تاريخ السودان الحديث، يقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان على حافة معادلة تكاد تكون مستحيلة: الموازنة بين الحفاظ على تماسك “تحالف بورتسودان” من جهة، والاستجابة لضغوط دولية وإقليمية متصاعدة من جهة أخرى. كل ذلك يحدث في بيئة عالمية مشتعلة تتقاطع فيها حسابات الأمن القومي مع أطماع النفوذ الدولي. 1. تناقضات الداخل.. تحالف الضرورة الهش تحالف بورتسودان ليس تحالفاً سياسياً بالمعنى التقليدي، بل هو “تحالف ضرورة” يجمع بين المؤسسة العسكرية، وتيارات إسلامية متعددة المشارب، وتشكيلات مسلحة ذات طابع جهوي. هذا التكوين الهجين يفتقر إلى عقيدة سياسية موحدة، مما يجعله عرضة للتشقق عند أول اختبار جدي، خاصة حين تتعارض مصالح البقاء في السلطة مع متطلبات الاعتراف الدولي. 2. بورتسودان.. من مقر بديل إلى “ساحة لصراع الكبار” لم تعد بورتسودان مجرد مدينة لإدارة شؤون الدولة، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز في ميزان القوى الدولي بسبب موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر. القوى العظمى تراقب بحذر: هل سيكون هذا التحالف بوابة لعودة النفوذ الإيراني أو الروسي إلى المياه الدافئة؟ إن ثمن التمسك ببعض الحلفاء الأيديولوجيين قد يكون مواجهة مباشرة مع مصالح دولية كبرى لا تسمح بوجود منافسين لها على هذا الساحل الحيوي. 3. دبلوماسية السلاح.. رسائل “الريال السياسي” إن تعطيل صفقات السلاح الكبرى (كصفقة باكستان مؤخراً) لم يكن عائقاً فنياً، بل كان رسالة سياسية مشفرة بامتياز. لقد أثبتت التجربة أن الممول والوسيط الإقليمي يملك “حق الفيتو”؛ فالسلاح لا يتدفق لتعزيز تحالفات تميل نحو محاور معادية. وهنا تبرز معضلة البرهان: فالحلفاء الذين يقاتلون معه في الميدان هم أنفسهم من يحرمونه من “ترسانة الحسم” بسبب فيتو الحلفاء الإقليميين الذين يربطون الدعم بمدى الولاء لمحورهم. 4. ازدواجية المعايير.. الانحياز للمصلحة فوق الوطن يبرز في المشهد تناقض صارخ؛ فالعواصم الإقليمية التي تحارب الإسلام السياسي في عواصمها، تجد نفسها مضطرة للتعامل معهم في السودان. هذا التعامل ليس حرصاً على كيان الدولة السودانية، بل هو انحياز للقوى التي تحقق لها مصالحها المباشرة. هذا التحرك الإقليمي قد يكون خصماً على قرار الحل أو حتى على وحدة السودان وسلامة أراضيه، طالما أن مصالح تلك الدول مؤمنة مع الطرف الذي تدعمه. 5. وهم الحسم العسكري.. قراءة في دفتر التاريخ لمن يراهنون اليوم على الحل العسكري، عليهم العودة قليلاً إلى دفتر الحقائق التاريخية السودانية؛ فمنذ تمرد “أنانيا” وحتى انفصال الجنوب، مروراً بكل دورات الحركات المطلبية المسلحة، متى تم الحسم العسكري؟ لقد استمرت الحروب لعقود، ولم تُحصد سوى الأرواح والمقدرات، لينتهي الأمر دائماً إلى طاولة التفاوض. التاريخ السوداني يصرخ في وجه الجميع: الرصاص قد يبدأ الحرب، لكنه أبداً لا ينهيها بسلام. سؤال الساعة: هل نجح “تحالف بورتسودان” بعد كل هذا التعنت والرفض للحلول المطروحة في منابر (جدة، المنامة، والاتحاد الأفريقي) في تحقيق الحسم العسكري؟ أم أن الواقع يثبت يومياً أن الهروب من التفاوض هو هروب إلى الهاوية؟ 6. المتغير الأمريكي.. صفقات “ترامب” النفعية تأتي الاهتزازات السياسية في أمريكا، وآخرها محاولة اغتيال ترامب، لتعزز احتمال عودة سياسة “الصفقات النفعية” (Transactional Politics). قد يجد البرهان هنا ثغرة للمناورة: تقديم تنازلات أمنية مقابل غض الطرف عن طبيعة شركائه في الحكم، مما يجعل قضية “إبعاد الإسلاميين” مجرد ورقة للتفاوض وليست شرطاً مبدئياً، وهو ما يغذي سياسة شراء الوقت. خاتمة: روشتة الحل.. الحقيقة المجرّدة والمخرج الوحيد إن المخرج للسودانيين جميعاً—بمختلف تحالفاتهم وتوجهاتهم، سواء من نادى بـ (التأسيس) أو تمسك بـ (الصمود)، وسواء كانوا تحت لواء تحالف بورتسودان أو غيره من القوى الميدانية والمدنية—يكمن في مواجهة حقيقة واحدة أثبتتها تجارب التاريخ: مهما طال أمد الحروب، فإن محطتها الأخيرة هي طاولة التفاوض. إن الحقيقة المطلقة والمجرّدة اليوم هي أن المضي في خيار الحسم العسكري الشامل هو استنزاف لمقدرات الأمة، ولذلك فإن الحل عبر “التفاوض الشجاع” هو السبيل الوحيد لـ: تقليل الكلفة: وقف نزيف الخسائر البشرية والمادية التي يدفع ثمنها المواطن البسيط. توفير الطاقات: لبناء ما دمرته الحرب وتأسيس اقتصاد وطني يحقق الرفاه للجميع. دولة المواطنة: علاج أمراض الماضي وتأسيس دولة يعيش تحت كنفها الجميع متساوين، بتقديم تنازلات متبادلة من أجل بقاء الوطن وسلامة أراضيه. الخلاصة: إن الشجاعة الحقيقية ليست في الاستمرار في الحرب، بل في امتلاك القدرة على إنهائها بسلام يحفظ ما تبقى من مقدرات. إن “بناء السودان” يبدأ من النقطة التي يدرك فيها الجميع أن التنازل للوطن هو أسمى مراتب السيادة، وأن التفاوض هو الطريق الوحيد لتأسيس واقع جديد تسوده العدالة والمواطنة. شارك تصفّح المقالات مافيا الطاقة.. هندسة “الفلول” لإبادة السودانيين بالظلام صباح محمد الحسن تكتب: تحوّل مسار!!