عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان..يكتب

الى كل ام سودانية تسلمت جسد ابنها في كيس نايلون وقيل لها مات من اجل الكرامة بينما كانت تبحث فقط عن كرامة قبر يليق بآدميته

هذا النص ليس مقالا عاديا بل عريضة اتهام سياسية قانونية ضد حرب جردت الانسان من صفته ورفعت شعارا لتحجب به جريمة مكتملة الاركان ما جرى منذ 15 ابريل 2023 لا يمكن توصيفه كصراع مسلح تقليدي بل هو نمط من الانتهاكات الجسيمة التي ترقى الى جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وفقا للقانون الدولي الانساني ونصوص النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية

وفقا للمادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف لعام 1949 يحظر القتل بجميع اشكاله والتشويه والمعاملة القاسية والاعتداء على الكرامة الشخصية وعلى الاخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة كما يحظر اخذ الرهائن واصدار الاحكام دون محاكمة عادلة ما حدث على ارض السودان يمثل انتهاكا صارخا لهذه القواعد الآمرة التي لا يجوز تعطيلها تحت اي ذريعة سياسية او عسكرية

وبالرجوع الى البروتوكول الاضافي الثاني لعام 1977 المتعلق بالنزاعات المسلحة غير الدولية نجد نصا واضحا يجرم الاعتداء على المدنيين واستهدافهم والتهجير القسري والاغتصاب وكل اشكال العنف الجنسي باعتبارها انتهاكات خطيرة لا تسقط بالتقادم ولا تبررها دعاوى الضرورة العسكرية

اما النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية فقد نص في المادة 7 على ان القتل العمد والاغتصاب والتهجير القسري والاختفاء القسري والاضطهاد الممنهج يشكل جرائم ضد الانسانية متى ارتكبت في اطار هجوم واسع النطاق او منهجي موجه ضد السكان المدنيين وهذا الوصف ينطبق على ما جرى حيث تحولت مدن كاملة الى مسارح ابادة بطيئة وتحول المدني الى هدف مشروع في خطاب الكراهية والتحريض

وفي المادة 8 من ذات النظام تم تجريم استهداف الاعيان المدنية كالمستشفيات والمدارس ونهب الممتلكات وتدميرها دون ضرورة عسكرية قاهرة وهو ما وقع فعليا من تدمير ممنهج للبنية التحتية التعليمية والصحية والثقافية بما في ذلك دور الوثائق والمرافق العامة الامر الذي يمثل اعتداء على ذاكرة الامة وحقها في البقاء

داخليا فان الوثيقة الدستورية السودانية لسنة 2019 اقرت في باب الحقوق والحريات الحق في الحياة والكرامة الانسانية والامن الشخصي وحظرت التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة كما الزمت الدولة بحماية المدنيين وضمان عدم الافلات من العقاب كما ينص القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 في مواده المتعلقة بالقتل العمد والاذى الجسيم والجرائم الموجهة ضد الدولة والمجتمع على عقوبات تصل الى الاعدام والسجن المؤبد لكل من يرتكب هذه الافعال او يشارك فيها او يحرض عليها

بناء على ذلك فان كل من خطط او موّل او حرّض او نفذ هذه الافعال يتحمل مسؤولية جنائية فردية مباشرة او غير مباشرة وفقا لمبدأ المسؤولية القيادية الذي يقر بمحاسبة القادة الذين يعلمون او يفترض ان يعلموا بوقوع الجرائم ولم يتخذوا التدابير اللازمة لمنعها او معاقبة مرتكبيها

سياسيا فان استخدام مصطلح حرب الكرامة يمثل تضليلا متعمدا واداة دعائية لتبييض جريمة لا يمكن تبريرها الكرامة في القانون وفي الضمير الانساني تعني صون الحياة لا اهدارها تعني حماية الجسد لا انتهاكه تعني بناء الدولة لا تفكيكها تحويل المفردة الى غطاء للقتل هو جريمة خطاب لا تقل خطورة عن الجريمة المادية نفسها لانه يؤسس لشرعنة العنف ويعيد تشكيل وعي جمعي يقبل القتل كفعل طبيعي

الوقائع على الارض تشير الى نمط منهجي من الانتهاكات قتل واسع النطاق تهجير قسري بالملايين استخدام التجويع كسلاح حرب عنف جنسي ممنهج تجنيد اطفال تدمير مؤسسات الدولة ونهب مواردها هذه ليست اخطاء فردية بل سياسة لها من يقف خلفها ويستفيد منها

ومن حيث المسؤولية السياسية فان اي جهة ساهمت في اشعال هذه الحرب او اطالت امدها او منعت مسارات السلام تتحمل وزر الدماء والدمار ولا يجوز لها الاختباء خلف شعارات وطنية او دينية فالقانون الدولي لا يعترف بالحصانات في جرائم كهذه ولا يسقطها بمرور الزمن بل يلاحق مرتكبيها اينما وجدوا

ان القول بان الحرب من اجل الكرامة يسقط امام اول جثمان مجهول الهوية واول امرأة منتهكة واول طفل جائع الكرامة لا تبنى على المقابر ولا تحرسها البنادق التي توجه الى صدور المدنيين الكرامة تقاس بقدرة الدولة على حماية مواطنيها لا بعدد قتلاها

وعليه فان هذا النص يخلص الى توصيف قانوني وسياسي واضح ما يجري جريمة مركبة الاركان تستوجب المساءلة الوطنية والدولية الفورية وفتح تحقيقات مستقلة وتفعيل آليات العدالة الانتقالية وعدم الافلات من العقاب كما يستوجب موقفا سياسيا حاسما يرفض استمرار الحرب تحت اي مسمى ويعيد الاعتبار لقيمة الانسان باعتبارها اساس الشرعية الوحيدة

يا من ترفعون الشعار ان كنتم صادقين فاتركوا السلاح وافتحوا طريق العدالة وان كنتم غير ذلك فالتاريخ والقانون والشعوب لا ترحم

الكرامة ليست شعارا يرفع بل حق يصان ومن سلب الحق لا يملك شرف تسميته

كفاية الوطن ليس مسرحا لتجارب الدم وليس باسمي ولا باسم من دفنوا بصمت ولا باسم من ينتظرون دورهم في قائمة الموت

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

2/مايو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *