عبدالرحمن العاجب..يكتب أسرة “كيكل” لا تختلف في جوهرها الإنساني عن الأسر التي قضت تحت القصف الجوي أو المسيّرات أو المدفعية. يكتب ياسر عرمان عن فظائع الحرب الحديثة، وعن الدور المدمر للطائرات المسيّرة في إعادة تشكيل العنف، ويصيب في كثير من تشخيصه حين يصف كيف أصبحت الحروب أكثر قسوة وأقل إنسانية. غير أن زاوية النظر التي ركّزت على حادثة بعينها – استهداف أسرة بعينها – تستدعي نقاشا أوسع وأعمق، يعيد التوازن إلى ميزان العدالة الأخلاقية، ويؤكد حقيقة لا ينبغي أن تغيب: أن الموت واحد، وأن النفس السودانية واحدة، وأن الألم لا يتجزأ. ليست المأساة في السودان حادثة منفردة يمكن الوقوف عندها بوصفها استثناءً، بل هي سياق ممتد من الانتهاكات التي طالت مدنا وقرى وأسواقا ومستشفيات، بلا تمييز. من الكومة إلى طرة، ومن مليط إلى كتم وكبكابية، ومن أبو زبد إلى الضعين، تتكرر ذات الصور: أجساد مدنيين تحت الأنقاض، أطفال قُطعت طفولتهم بصواريخ عابرة، وأسر كاملة أُبيدت دون أن يكون لها شأن بالحرب سوى أنها وُجدت في مرمى نيرانها. إن إدانة استهداف أسرة بعينها، مهما كانت مكانتها أو صلتها بأطراف النزاع، تظل إدانة واجبة أخلاقيا. لكن العدالة لا تكتمل حين تُنتقى الضحايا، ولا تترسخ حين يُسلّط الضوء على مأساة دون أخرى. فأسرة كيكل، التي أُدين استهدافها، لا تختلف في جوهرها الإنساني عن مئات الأسر التي قضت تحت القصف الجوي أو المسيّرات أو المدفعية. دماؤهم جميعا سودانية، وأحزانهم تنتمي إلى ذات الجرح الوطني المفتوح. إن الخطر الأكبر في الخطاب الانتقائي لا يكمن فقط في إغفال ضحايا آخرين، بل في تكريس إحساس ضمني بأن بعض الأرواح أكثر حضورا أو قيمة في المجال العام من غيرها. وهذا ما يغذي الإحساس بالظلم، ويعمّق الانقسامات، ويمنح الحرب وقودا إضافيا للاستمرار. فحين يشعر الناس أن آلامهم غير مرئية، يصبح الغضب لغة، ويصبح الثأر احتمالا قائما. لقد أشار عرمان إلى نقطة مهمة تتعلق بخطورة استهداف الأسر بوصفه مدخلا لحرب اجتماعية لا سقف لها. وهذه ملاحظة في محلها، لكن هذه الحرب الاجتماعية لم تبدأ من حادثة واحدة، ولن تنتهي بإدانة واحدة. إنها نتيجة تراكم طويل من الدماء غير المنصفة، ومن الصمت الانتقائي، ومن عجز الضمير العام عن احتواء كل الضحايا بذات القدر من التعاطف والاهتمام. السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إدانة استخدام المسيّرات أو الدعوة إلى قرارات دولية – على أهميتها – بل يحتاج قبل ذلك إلى إعادة تأسيس ميزان أخلاقي داخلي، يعترف بكل الضحايا دون تمييز. يحتاج إلى خطاب يساوي بين الأم التي فقدت أبناءها في قرية نائية، وتلك التي فقدتهم في حادثة حظيت بالاهتمام الإعلامي. يحتاج إلى ذاكرة وطنية لا تُقصي، ولا تنتقي، ولا تفرّق. الموت في هذه الحرب لم يسأل عن الانتماء، ولا عن الموقع، ولا عن الصفة. سقط الجميع تحت ذات السماء، وبذات القسوة. ولذلك فإن الرد الحقيقي على المأساة لا يكون بتجزئتها، بل بتوحيدها في وجدان وطني جامع، يقول بوضوح: لا فرق بين ضحية وأخرى، ولا بين أسرة وأخرى. في النهاية، فإن الطريق إلى السلام لا يمر فقط عبر إدانة أدوات الحرب، بل عبر إنصاف ضحاياها جميعا. فحين ندرك أن النفس السودانية واحدة، وأن كرامتها لا تتجزأ، يمكن حينها فقط أن نضع أساسا صلبا لوقف هذه الدائرة الجهنمية من العنف، ونفتح بابا نحو عدالة لا تستثني أحدا. شارك تصفّح المقالات صباح محمد الحسن تكتب ..اتهامات هيئة الوصول الإنساني لحكومة السلام : نموذج عملي يتفوق على التعقيدات السياسية