الجميل الفاضل يكتب:

حيثما مرَّ “الإسلامُ السياسي” على أرضٍ، انطفأتْ علي ترابها الجهات، وارتفع من شقوقها نعيقُ البوم كأنه ترتيلُ خرابٍ.

كأن المدن، لحظةَ وطأته، تُنزَع من ضوء الله نزعاً، فتدخل في ليلٍ بلا فجر، وفي بئرٍ بلا قرار.

فلا الشجرُ يبقى أخضر، ولا النهرُ يحتفظ بذاكرته، ولا الإنسانُ يعود كما كان.

إذ ما من فكرةٍ تدّعي حصرية امتلاك السماء، إلا وتحولت، في غفلة من التاريخ، إلى مقصلةٍ منصوبةٍ فوق أعناق الرجال والنساء.

ذلك أنَّ الكارثة تبدأ حين يُرفع التنظيمُ إلى مقام العقيدة، ويُصبح “التمكين” بديلاً عن الرحمة، وتُختزلُ رسالةُ الإنسان الكبرى في صراعٍ محموم على السلطة، يُدار باسم الله، بينما الله بريءٌ من كل ما يحيل أرضه التي أوجدها بحكمته، الي حفنة رماد تذروه الرياح.

هناك، لا يعود الوطن وطناً، بل غنيمةً مؤجلة، ولا البشر بشراً، لكن أرقاماً في دفاتر الفداء الوهمية الكبرى.

وهكذا، تُذبح الحياة قرباناً لفكرة، ويُساق الناس إلى الضياع وهم يظنون أنهم يسيرون نحو الخلاص.

لقد حُبس إنسانُ هذه البلاد دهوراً داخل قفصٍ من التأويلات العدمية المعتمة، حتى بهتت فطرته، وصدئت روحه، وصار بعضه يرى في الموتَ أعلى مراتب المجد.

أقنعوهم أن البطولة ليست في أن يزرعوا قمحاً، لكن في أن يُدفنوا أنفسهم تحت التراب.

وأن الفردوس لا يُفتح بالمحبة والعلم والجمال، لكن بالأشلاء والدموع والدمار.

فانقلبت الموازين، الي أن صار الخرابُ عقيدةً، وصار الفناءُ نشيداً جماعياً يُتلى على المنابر كأنه آيةُ نجاة.

وفي قلب هذا الليل، بدا الإنسانُ السوداني كحوتٍ نافقٍ في قاع مكتلٍ منسيّ؛

جسدٌ هائل، وروحٌ مطفأة، ووعيٌ معلّق بين الحياة والموت، ينتظر معجزةً تهزُّ البحر بداخله، قبل أن يهفو للغوص فيه.

ومن هنا، فإن اقتران اقتلاع جماعة الإخوان المسلمين بهذا الطوفان الهائل من الافساد وسفك الدماء، ليس مجردَ تزامنٍ سياسيّ عابر، إنه أشبه بلحظةِ انكسارٍ، تشق القشرة القديمة للعالم، كي يخرج منها وعيٌ آخر.

فالخرابُ في جوهره العميق ليس نهاية المطاف، إذ هو في الحقيقة آخر فرصة لتعقيم العقول، ولتطهير النفوس.

إنه اللحظة التي يرتطم فيها الوهمُ بصخرة الحقيقة، فيتساقط المطلقُ الزائف من عليائه، عاجزاً عن حماية طفلٍ جائع، أو ستر أمٍّ مشرّدة، أو إعادة الحياة إلى مدينةٍ تحولت إلى حطام.

لكنَّ الله، في أسراره الكبرى، لا يفتح أبواب النجاة من حيث نتوقع دائما.

فكما ارتدَّ حوتُ موسى إلى البحر “سرباً”، ستدبُّ الحياة فجأةً في حوت السودان الذي بدا كميت داخل مكتله.

سيهتزُّ هذا الجسدُ المثخن بالجراح بنداءٍ خفيٍّ صادرٍ من أعماق فطرته الأولى:

لأن الإنسان لم يُخلق ليكون حطباً في مواقد الأيديولوجيا، إنما خُلق ليكون نهراً، وشجرةً، وقصيدةً، ويداً تعمّر الأرض بمحبة الله والكون والناس.

وعندها، لن يأتي الوعي الجديد كعاصفة، لكن كالمطر؛

هادئاً، متسرّباً، شفيفاً، ينزل على الأرواح اليابسة قطرةً قطرة، كي تُبعث من موتها.

سيبدأ الناس، للمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، في اكتشاف المعنى البسيط والعظيم للحياة:

أن الخبز أكثر قداسةً من الشعارات، وأن المدرسة أسمى من المتراس،

وأن أغنيةً جميلة واحدة قد تهزم ألف بندقية.

إنه وعيٌ سيرى في الفن ضرباً من الذكر، وفي العلم مقاماً من مقامات العرفان، وفي الجمال تجلياً من تجليات الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء.

وعيٌ سيكسر الأصنام الجديدة التي نصبتها الأيديولوجيا علي العقول، وعي يعيد الإنسان إلى فطرته وطبيعته الأولى:

كائناً يمشي خفيفاً فوق الأرض، لا قاتلاً عليها باسم السماء.

ولذا، فإن السودان يقف اليوم عند “مجمع بحرين”؛

بحرٍ هرِمٍ من الأفكار اليابسة، استنفد نبوءاته حتى صار “خاوياً على عروشه”،

وبحرٍ آخر يتخلق الآن تحت النار، بحرٍ يريد أن يُولد من جديد، وأن يهتف للأرض:

اهتزّي… وربّي… وأنبتي من كل زوجٍ بهيج.

فإن الانتقال من أقصى الظلمة إلى أقصى النور ليس وهماً شعرياً، هو قانونُ الروح حين تبلغ اختناقها الأخير.

وبالطبع فكلُّ ظلامٍ إذا اكتمل، استدعى فجره.

وكلُّ حوتٍ يضيق به المكتل، لا بد أن يندفع أخيراً نحو البحر.

المهم فحين يتسرّب “حوت الحياة” من سلال الأيديولوجيا المغلقة، سيعود الإنسان السوداني إلى نسخته الأولى المباركة؛ لا جندياً في جيش العدم، لكن خليفةً للجمال على أرضه.

سيعود بقلبٍ أقلَّ كراهية، وبعينٍ أكثر دهشة، وبروحٍ تعرف أخيراً أن الله لا يُرى تحت الركام، أو بجوف الدمار والخراب … لكن بذوب حياة حرة، زاهية، وجميلة مفهردة.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *