أحمد العبيد …يكتب

في تطور لافت يعكس تعقيدات المشهد السوداني الراهن، جاءت تصريحات وزارة الخارجية التابعة لسلطة بورتسودان الفاقدة للشرعية بشأن استدعاء ممثلي وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، لتؤكد مرة أخرى حجم الصراع السياسي الذي بات يُلقي بظلاله الثقيلة على العمل الإنساني. هذه الخطوة، التي قُدّمت تحت لافتة حماية السيادة الوطنية، تكشف في جوهرها عن حالة من القلق المتزايد تجاه التحولات الجارية على الأرض، خاصة في ظل تنامي أدوار بارزة و مؤثرة و ملموسة لحكومة السلام التي استطاعت أن تفرض نفسها واقعًا عمليًا في إدارة بعض الملفات الحيوية التي تخص المواطن وعلى رأسها ملف الإغاثة والعمل الإنساني.

برزت هيئة الوصول الإنساني التابعة لحكومة السلام كنموذج عملي في التنسيق الفعّال مع المنظمات الدولية والإقليمية، حيث استطاعت خلال فترة وجيزة أن تبني جسور ثقة قائمة على تسهيل الإجراءات، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها دون تعقيدات بيروقراطية أو توظيف سياسي كما يفعل جيش الإخوان . هذا النجاح لم يأتِ من فراغ، بل كان نتاج رؤية واضحة تضع المواطن السوداني في صدارة الأولويات، وتتعامل مع العمل الإنساني باعتباره واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون ساحة للصراع أو كسب النقاط السياسية.

إن محاولات حكومة بورتسودان، عبر وزارة خارجيتها، لفرض قيود على تعامل المنظمات مع أي كيان آخر، تبدو أقرب إلى محاولات يائسة لتحييد هذه المنظمات وإخضاعها لرؤية أحادية لا تنسجم مع الواقع الميداني. فالمنظمات الإنسانية، بحكم طبيعة عملها، تبحث عن الشركاء القادرين على تسهيل مهامها وضمان سلامة عملياتها، وليس الانخراط في صراعات سياسية أو الاصطفاف خلف أطراف بعينها. ومن هنا، فإن لغة التهديد والتلويح بالسيادة، رغم مشروعيتها من حيث المبدأ، تفقد بريقها عندما تُستخدم كأداة لعرقلة العمل الإنساني أو تقييده.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى المواطن السوداني هو المتضرر الأول من أي تعطيل أو تسييس لجهود الإغاثة. لقد أثبتت التجربة أن الكفاءة والمرونة في إدارة الملف الإنساني هي التي تفرض نفسها في النهاية، وليس الشعارات أو القرارات الأحادية. ومن هذا المنطلق، فإن نجاح هيئة الوصول الإنساني يمثل رسالة واضحة بأن خدمة المواطن يجب أن تظل فوق كل الاعتبارات.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *