عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب حين يصمت القضاء تتمدد الفوضى وحين تغيب العدالة يتحول السلاح الى قانون وتتحول الدولة الى غابة تحكمها القوة لا الدساتير ومن اخطر ما يهدد السودان اليوم ليس فقط استمرار الحرب بل انهيار هيبة القانون وظهور جيوش ومليشيات متعددة داخل الدولة الواحدة تحت سمع وبصر المؤسسات العدلية والقانونية فالقضاء السوداني لا يتحمل فقط مسؤولية دستورية بحماية الوثيقة الدستورية والقوانين النافذة بل يتحمل ايضا مسؤولية تقصيرية واخلاقية وتاريخية امام الشعب السوداني اذا ترك البلاد تنزلق نحو شرعنة المليشيات وتعدد مراكز القوة العسكرية فالمسؤولية التقصيرية في الفقه القانوني تقوم عند الامتناع عن اداء الواجب القانوني بما يؤدي الى وقوع الضرر وعندما يعجز القضاء عن وقف الانتهاكات الواضحة للدستور والقوانين المنظمة للقوات المسلحة تصبح النتيجة المباشرة هي تفكك الدولة وانتشار السلاح وسقوط حقوق المواطنين ان حماية الدستور ليست عملا سياسيا بل واجب قضائي اصيل لان الدساتير لا تكتب للحفظ داخل الارشيف بل لتطبق وتحمي الدولة والمجتمع من الانهيار ومنذ استقلال السودان في 1 يناير 1956 ظل مبدأ قومية القوات المسلحة جزءا ثابتا في جميع الدساتير السودانية حيث اكد دستور 1956 المؤقت ان الجيش مؤسسة قومية تتبع للدولة ثم جاء دستور 1973 ليؤكد تبعية القوات المسلحة للدستور وسيادة البلاد وفي دستور 1998 نصت المادة 144 على ان القوات المسلحة قوة نظامية قومية مهمتها حماية البلاد والمحافظة على سلامة اراضيها كما نص دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 في المادة 144 على ان القوات المسلحة مؤسسة قومية غير حزبية تمثل الشعب السوداني وتحمي الدستور والنظام الديمقراطي وجددت الوثيقة الدستورية لسنة 2019 في المادة 36 ذات المبدأ عندما نصت على ان القوات المسلحة مؤسسة وطنية قومية تخضع للسلطة التنفيذية وفقا للقانون هذه النصوص جميعها لم تعترف يوما بوجود جيوش موازية او مليشيات متعددة داخل المؤسسة العسكرية بل قامت على اساس جيش قومي واحد بقيادة واحدة وعقيدة واحدة كما نص قانون القوات المسلحة السودانية لسنة 2007 في المادة 5 على ان مهام القوات المسلحة تتمثل في حماية البلاد والدستور والنظام الديمقراطي وهو نص يتعارض بصورة مباشرة مع صناعة او دعم جماعات مسلحة موازية ونص القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 في المادة 50 على جريمة تقويض النظام الدستوري باستخدام القوة العسكرية كما نصت المادة 51 على جريمة اثارة الحرب ضد الدولة وجرمت المادة 63 تكوين الجماعات والتنظيمات المسلحة التي تهدد الامن والنظام العام وعليه فان اي دعم او تدريب او تسليح لقوات خارج البناء الرسمي للقوات المسلحة يمثل مخالفة صريحة لفكرة الدولة القانونية والدستورية وهنا يبرز الدور التاريخي للقضاء السوداني باعتباره الحارس الاخير للدستور فالقاضي ليس موظفا اداريا بل ضمير دولة ومسؤول عن منع انهيار القانون امام سلطة السلاح ان صمت القضاء عن تعدد الجيوش يعني عمليا السماح بانهيار الدولة وتحويل السودان الى ساحة مفتوحة للمليشيات والولاءات المسلحة وقد اثبت تاريخ السودان منذ الاستقلال ان كل الحروب والانقسامات بدأت عندما ضعفت سلطة القانون وتقدمت التكوينات المسلحة على حساب الجيش القومي المهني واليوم يقف القضاء السوداني امام اختبار تاريخي اما حماية الدستور والقانون ووقف تمدد المليشيات واما ترك الوطن يدخل مرحلة اللاعودة يا قضاة السودان ان الشعب الذي احتمى بالقانون ينتظر منكم موقفا يحفظ الدولة لا بيانات صامتة وينتظر احكاما تعيد هيبة الدستور لا واقعا تحكمه البنادق فلا تتركوا السودان رهينة للجيوش المتعددة ولا تسمحوا بان يتحول الوطن الى دولة بلا قانون ولا جيش قومي ولا عدالة نواصل بمشيئة الله بتاريخ ٧/مايو /2026 شارك تصفّح المقالات وهل يُقرأ السودان من “سِفر الحوت”؟!