م/أدم مكرم في سنوات حكم نظام الإنقاذ، حين كانت جماعة الهوس الديني تُحكم قبضتها على الدولة والمجتمع، لم يكن الالتحاق بالخدمة المدنية قائمًا على الكفاءة أو الاستحقاق، بل على معايير الولاء السياسي والتنظيمي. فُرضت حملات التجنيد القسري تحت شعارات الوطنية والدفاع عن الوطن، وتحولت الوظائف العامة إلى امتيازات تمنحها سلطة “التمكين” لمن يوالون المشروع الإسلاموي. صار الانتماء للحركة الإسلامية شرطًا غير معلن، وأحيانًا معلنًا، للترقي والقبول، بينما أقصي آلاف المؤهلين وأصحاب الخبرات لأنهم لم يدخلوا بيت الطاعة الأيديولوجي. لكن، وسط هذا الخراب البنيوي، ظهرت نماذج مضيئة خرجت من رحم الهامش السوداني نفسه، وقدّمت دروسًا عملية في كيفية صناعة التنمية بالإرادة المجتمعية لا بالاستقطاب السياسي. في إحدى قرى جبل مرة، حيث العزلة وقسوة الجغرافيا وغياب الدولة، ابتكر الأهالي تجربة لافتة لمعالجة أزمة التعليم ونقص المعلمين. لم ينتظروا وزارة التربية ولا وعود السلطة المركزية، بل أطلقوا مبادرة مجتمعية تقوم على استقطاب المعلمين عبر توفير راتب إضافي، إلى جانب السكن والإعاشة. كانت الفكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: خلق بيئة تحفظ كرامة المعلم وتمنحه الاستقرار. تحولت المبادرة إلى حافز حقيقي جذب الكفاءات التعليمية إلى منطقة كانت تُعد طاردة بسبب ظروف الحرب والتهميش. وشيئًا فشيئًا، بدأت المدارس تستعيد عافيتها، ووجد الأطفال فرصة للتعليم في بيئة كانت مهددة بالانقطاع الكامل. لم تكن التجربة مشروعًا حكوميًا ضخمًا، بل فعلًا اجتماعيًا متجذرًا في وعي الناس بأهمية التعليم كأداة للبقاء والمستقبل. اليوم، وبعد اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، تتكرر المأساة السودانية بصورة أكثر اتساعًا. ملايين المواطنين نزحوا من الخرطوم وولايات النزاع إلى مناطق لم تصلها الحرب بعد، ومدن لم يقصفها طيران أحد أطراف الصراع. غير أن السؤال المؤلم يفرض نفسه: لماذا لم تتحول هذه الكتلة البشرية الهائلة، بما تحمله من خبرات ومؤهلات، إلى فرصة لإحياء المجتمعات المستضيفة بدل الاكتفاء بوضعية “النازح” أو “الضحية”؟ فبين هؤلاء النازحين آلاف المعلمين والأطباء والمهندسين والإداريين والحرفيين وأصحاب التجارب المهنية. كان بالإمكان، لو توفرت الإرادة والتنظيم المجتمعي، أن تنشأ مبادرات شبيهة بتجربة جبل مرة: مدارس مجتمعية، عيادات تطوعية، برامج تدريب مهني، ومشروعات إنتاج صغيرة تسهم في سد الفجوات داخل المدن والقرى المستضيفة. إن المجتمعات التي تنهض وسط الحروب لا تفعل ذلك عبر انتظار الدولة المنهارة أو المنظمات الدولية وحدها، بل عبر إعادة توظيف رأس المال البشري المتاح. وهذا ما فعلته قرية جبل مرة حين أدركت أن المعلم ليس موظفًا فقط، بل ركيزة لبناء المجتمع نفسه. المفارقة أن النظام البائد، رغم كل شعاراته الدينية والوطنية، كان يدفع الناس إلى الهجرة الداخلية والخارجية عبر الإقصاء والتمكين. بينما النماذج المجتمعية الصغيرة، البعيدة عن ضجيج السياسة، كانت أكثر قدرة على إنتاج التضامن والاستمرار. إن السودان اليوم بحاجة إلى استعادة تلك الروح المتجذرة: روح المبادرة المحلية، والاعتماد على المجتمع، وتحويل المحنة إلى إمكانية للفعل الجماعي. فالحروب لا تُهزم بالسلاح وحده، بل ببناء الإنسان، وحماية التعليم، وإعادة الاعتبار للكفاءة والعمل العام بعيدًا عن الأيديولوجيا والولاءات الضيقة. وربما تكون أعظم دروس هذه المرحلة أن التنمية الحقيقية لا تبدأ من القصر الجمهوري، بل من قرية صغيرة في جبل مرة، آمنت بأن المعلم يستحق الحياة الكريمة، وأن التعليم يمكن أن ينتصر حتى في قلب الحرب. كمبالا ٨ مايو ٢٠٢٦ م شارك تصفّح المقالات السودان: البشارة، والقربان، و”الخروج”؟! عن الوكيل المصري في السودان: هل ستحارب مصر إثيوبيا حتى آخر جندي سوداني؟