خالد كودي… يكتب تشهد الساحة السياسية والإعلامية في السودان تصعيداً محموماً في حملات دعائية مكثّفة تستهدف الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، عبر خطاب يقوم على اختلاق الاتهامات، وتحريف الوقائع، وإعادة تدوير سرديات فقدت سندها أمام تحولات الواقع، بهدف تقويض مشروع السودان الجديد واستهداف قيادته. ولا يمكن قراءة طبيعة هذه الحملات أو حدّتها بمعزل عن بنية الدولة القديمة ومراكز قواها، وأجهزتها الاستخباراتية والأمنية، إلى جانب شبكات الدعاية المرتبطة بالحركة الإسلامية، التي راكمت خبرة طويلة في توظيف الإعلام لإدارة الصراع عبر تأجيج النزاعات بين المجتمعات، وإثارة الانقسامات الإثنية، وتوجيه الرأي العام على نحوٍ يحجب حقيقة تراجع الدولة القديمة، ويشوّش على مسار تقدّم مشروع السودان الجديد بقيمه السياسية والاجتماعية. الدعاية كأداة سياسية: من السيطرة العسكرية إلى السيطرة على الوعي تكشف الحملات الموجّهة ضد الحركة الشعبية ومشروع السودان الجديد المعبر عنه مؤخرا في “تأسيس” عن نمطٍ كلاسيكي من أنماط الحرب النفسية، حيث لا يُستهدف الخصم في ميدان القتال فحسب، بل في صورته العامة، وعلاقته بجمهوره، ومستوى الثقة التي يحظى بها داخل المجتمعات. وبدلاً من مواجهة المشروع السياسي بالحجج والبرامج، يُصار إلى توظيف أدوات دعائية تقوم على: – إنتاج روايات بدائية، مشحونة بالعاطفة ومصمَّمة لإثارة الخوف والارتباك؛ – تعميم اتهامات جزافية بلا سند تحقيقي؛ – افتعال وربط النزاعات الاجتماعية والقبلية بالحركة الشعبية؛ – تصوير الحركة الشعبية كطرفٍ في صراعات إثنية، رغم أن هذا التأطير يتجاهل طبيعتها كإطار سياسي لإدارة التنوع، في حين أن القبيلة تكوين اجتماعي مختلف في بنيته ووظيفته. في هذا السياق، تلعب الأجهزة الأمنية دوراً مركزياً عبر ما يمكن تسميته بـ”توطين الخطاب الدعائي”، من خلال التأثير على بعض الأصوات داخل المجتمعات المحلية—بوسائل مادية ورمزية—لإضفاء مظهر من “الشرعية الاجتماعية” على هذه السرديات. كما يُلاحظ تطور أكثر تنظيماً في هذا الاتجاه، يتمثل في إنشاء و تفعيل وحدات متخصصة تعمل داخل الأوساط القبلية، كوحدة امن القبائل، ليس لمراقبة المجال الاجتماعي فقط، بل للتأثير في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيهه، بما يخدم إعادة إنتاج سردية الدولة القديمة ويحدّ من قابلية المجتمعات لتبنّي بدائل سياسية جديدة. اختراق المجتمعات: استراتيجية “إثارة الفتن من الداخل” ليست هذه المقاربة جديدة في تاريخ الدولة السودانية المركزية. فقد اعتمدت، عبر عقود، على سياسات تقوم على – تغذية الشكوك بين المكونات الاجتماعية؛ – استثمار التباينات الإثنية والدينية؛ – وتحويل الخلافات المحدودة إلى صراعات واسعة وفي الحالة الراهنة، يُلاحظ تركيز واضح على محاولة دفع بعض أبناء جبال النوبة—في الداخل والخارج—إلى تبني خطاب كراهية تصادمي، يهدف إلى خلق استقطاب داخل مجتمع عرف، في مناطق الإدارة المدنية المرتبطة بمشروع السودان الجديد، درجات عالية من التعايش والتداخل الاجتماعي. هذا التوظيف لا يستهدف الحركة الشعبية فقط، بل يستهدف البنية الاجتماعية نفسها، لأن تفكيك المجتمع هو المدخل الأسهل لإضعاف أي مشروع ثوري تحرري. لماذا الآن؟ توقيت الحملة ومعناه السياسي تتسم هذه الحملة بحدة غير مسبوقة، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا الآن؟ الإجابة تكمن في طبيعة اللحظة السياسية. فحين تشعر بنية سلطة السودان القديم بأن موقعها مهدد—سياسياً وعسكرياً و رمزياً—تلجأ إلى أدوات أكثر حدة: – تكثيف الدعاية؛ – تصعيد الخطاب التخويفي؛ – وتوسيع دائرة الاتهام والتلفيق إن اشتداد هذه الحملات لا يعكس قوة الخصم بقدر ما يعكس حالة قلق وياس داخل منظومة ترى أن مشروعاً بديلاً—قائماً على إعادة تعريف الدولة—يكتسب أرضية ويستمر رغم الضغوط ويهدد وجودها. مشروع السودان الجديد: إدارة التنوع بدل قمعه في المقابل، يستند مشروع السودان الجديد إلى رؤية مختلفة جذرياً، تقوم على: – إدارة التنوع الإثني والديني ضمن إطار علماني، مدني، ديمقراطي؛ – فصل الدين عن الدولة؛ – تعزيز المواطنة المتساوية؛ – وبناء مؤسسات قادرة على استيعاب الاختلاف بدل قمعه وقد شهدت بعض المناطق التي خضعت لهذا النموذج، بدرجات متفاوتة، تجارب غنية في التعايش والتداخل الاجتماعي، وارتفاعاً في الوعي المدني، مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بسياسات الإقصاء والعنف. ليست المرة الأولى: تاريخ من الاستهداف… واستمرار في البقاء تعرضت الحركة الشعبية، عبر مسيرتها، لموجات متكررة من الاستهداف العسكري والإعلامي والسياسي، كانت تراهن—في كل مرة—على تفكيكها أو عزلها عن مجتمعها. غير أن هذه الحملات، على كثافتها وتنوع أدواتها، لم تنجح في تحقيق غاياتها، لأن قوة الحركة لم تكن يوماً في خطابها وحده، بل في عمق ارتباطها بقضايا الناس وتجاربهم الحية، فهي منهم وبهم. وفي هذا السياق، برز دور فاعلين ينخرطون في تنفيذ هذه الحملات الدعائية المعادية، غالباً من عناصر تفتقر إلى الحد الأدنى من الصرامة المعرفية والاستقلال الأخلاقي، ما يجعلها أكثر قابلية للاختراق والتوجيه. فالهشاشة الفكرية، وضعف التكوين النقدي، والسعي إلى مكاسب آنية—مادية أو رمزية—تخلق بيئة خصبة لتجنيد هذه الأصوات وإعادة توظيفها ضمن شبكات الدعاية. وهنا لا يعود الخطاب تعبيراً عن موقف مستقل، بل امتداداً لوظيفة تُدار من خارجها، وتُستخدم لإضفاء مظهر “محلي” على سرديات مُنتَجة مركزياً. ومع ذلك، تُظهر التجربة التاريخية أن الحركات التي تنبع من مطالب اجتماعية حقيقية لا تُهزم عبر الدعاية الكاذبة، لأن شرعيتها لا تُستمد من الصوت الأعلى او القدرة علي التلفيق، بل من قدرتها على التعبير عن واقع الناس وآمالهم. ولهذا، كلما اشتدت حملات التشويه، كشفت—في المقابل—حدودها، وأكدت أن الصراع يتجاوز معركة الصورة إلى سؤال أعمق: من يمتلك القدرة على تمثيل تطلعات المجتمع فعلاً؟ أخيراً: بين خطاب التخويف وأفق التحول إن ما يجري اليوم يتجاوز حدود الأحداث المتفرقة، ليكشف عن ارتباك عميق داخل بنية الدولة القديمة، في لحظة تجد فيها نفسها في مواجهة مشروع بديل يتقدم بثبات. فالتصعيد الدعائي المحموم ليس دليلاً على القوة، بل علامة على أزمة: أزمة دولة فقدت قدرتها على الإقناع، فلجأت إلى التخويف؛ وعجزت عن المواجهة السياسية، فاختارت التشويش. في هذا السياق، يصبح استهداف مشروع السودان الجديد ليس خياراً، بل ضرورة بالنسبة لتلك البنية، لأنه يطرح نموذجاً نقيضاً يقوم على المواطنة والعدالة وإدارة التنوع عبر مؤسسات مدنية. ولهذا تُفعَّل أدوات الدعاية، وتُحرَّك العناصر المخترقة، ويُدفع بما يُعرف بـ”حرّاقي البخور” لإشعال النزاعات بين المجتمعات عبر الشائعات والتلفيق وصناعة الخلافات. هؤلاء لا يمثلون مجتمعاتهم، بل يُستَخدمون كأدوات في محاولة لإعادة إنتاج الانقسام حيث يتشكل وعي جديد. لكن هذه المحاولات، رغم ضجيجها، تصطدم بواقع مغاير. فالأراضي المحررة ليست فراغاً هشاً يمكن تفكيكه بسهولة، بل فضاء اجتماعي وسياسي متماسك، راكم خبرة طويلة في الصمود، وتدعمه مجتمعات واعية، وتقوده سلطة مدنية تسعى إلى تحويل فكرة السودان الجديد إلى ممارسة مؤسسية مستدامة. ومن هنا يمكن فهم سبب الارتباك: فالدولة القديمة لا تواجه مجرد خصم سياسي، بل تواجه تحولاً في الوعي الاجتماعي نفسه. وهذا النوع من التحول لا يُهزم بالدعاية، لأن قوته لا تنبع من الخطاب، بل من التجربة الحية للناس. وفي المحصلة، لا يُحسم التاريخ بالضجيج ولا بحملات التضليل، بل بقدرة المشاريع على الاستمرار والبناء. ومشروع السودان الجديد، بما يحمله من رؤية للمواطنة والحرية والعدالة، يظل في مرمى الدعاية لأنه يتقدم—ولأنه، في نظر خصومه، البديل الذي يكشف عجزهم. أما في نظر مجتمعاته، فهو أفق ممكن، ولذلك لن يتراجع، ولن تنجح محاولات إيقافه، مهما تكررت. النضال مستمر والنصر اكيد. (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات شارك تصفّح المقالات المقالة السابقة عيون المعلّم الـ”مئة