إيهاب مادبو..يكتب “الأستاذ الضي… حكايات معلم لم يكن يدرس فقط، بل كان مدرسة كاملة للحياة” وفي تلكم السنوات البعيدة، حين كانت مدينة كادوقلي تبدو هادئة، تتنفس ببطء بين الجبال، كان الزمن يبدو أخف وأصفى، وكانت الحياة تمضي على إيقاع بسيط لا يعرف العجلة. في تلك الأيام جاء إلى المدينة معلم اسمه الأستاذ الضي لانعرف إسمه بالكامل، ولكنه جاء ضمن مشروع كانت الدولة تسميه آنذاك “قومية التعليم”، ذلك المشروع الذي كان يرسل المعلمين إلى أطراف البلاد البعيدة، كما تنثر البذور في موسم الخريف، أملاً في أن تنبت معرفة في الجهات المنسية. عمل الأستاذ الضي في مدرسة كليمو الابتدائية، لكن حضوره تجاوز حدود المدرسة سريعاً، حيث صار اسمه يتردد في الأحياء والأسواق و”المضخات” وحول الحفائر، وحدائق محلج كادوقلي، حتى بدا للتلاميذ أن الرجل يستطيع أن يظهر في أي مكان، وفي أي لحظة، وكأن له عيونا لا تنام. كان يحمل سوطًا ذا لسعاتٍ حارقة يعرف بين التلاميذ بـ”أبو الشباب”، وكان يردد دائمًا: “السوط يؤدبهم، والعلم يرفعهم.”أما نحن، أبناء كليمو الذين ندرس بمدرسة كادقلي الشرقية، فكنا ننظر إلى تلاميذ مدرسة كليمو بشيء من التعالي الطفولي،فمدرسة الشرقية لم تكن مجرد مدرسة؛ كانت واجهة المدينة التعليمية، ومركز نشاطها الثقافي، والمدرسة التي يتباهى بها الناس. كان يدرس معنا فيها أبناء الموظفين والتجار او مانطلق عليهم” الجلابة” ووجهاء المدينة، مما أكسب المدرسة سمعة خاصة ومكانة متميزة بين مدارس المنطقة، وكان تلميذ مدرسة الشرقية يشعر لمجرد انتمائه إليها، أنه ينتمي إلى عالم أعلى قليلاً من الآخرين. وفي الفسحة، تحت أشجار النيم العتيقة، كنا ننتظر أبناء حي السوق “عبدالحفيظ عروة”، و”مكي أبدلة”، وعبيدو، وطلقا، وغيرهم، يحملون رغيفاً ساخنا وفطائر وفول مصري تفوح منه رائحة الكمون والزيت، لقد كان الرغيف يومها رفاهية حقيقية، وكانت “قفة الملاح” تدار بحساب دقيق يجعل من كل لقمة حدثا اقتصاديا داخل بيوت كادوقلي في ذلكم الزمان. كانت تأتي إجازة نهاية العام الدراسي في الصيف، حيث يبدو موسم صيف كادوقلي وكأنما الشمس قد اقتربت من الأرض أكثر مما ينبغي. الهواء ساخن والاشجار لاتتحرك، والتراب يلسع الأقدام، والمدينة كلها تتحرك ببطء تحت وطأة القيظ. في ذلك اليوم وقف الأستاذ الضي في ساحة مدرسة كليمو قبل توزيع النتائج،كان طويل القامة، عريض الشارب، حاد القسمات، يحمل في ملامحه صرامة الرجال الذين نادراً ما يضحكون. ساد الصمت حين رفع صوته قائلاً: — اسمعوا يا طلاب… ما في حفلات ما في سينما ما في تسكع في المضخات. ما في عوم في الحفيرة ما في قعاد تحت النيم. وما في حوامة في سوق كليمو “شجرة كليمو”… مفهوم؟ فاهتز الطابور بصوتٍ واحد: — مفهووووم! ثم صاح فجأة: — المعلّم عندو كم عين؟ فدوّى الرد من أفواه التلاميذ: — “مية عين”! لم يكن السؤال عابرا، بل كان إعلانا واضحاً بأن لا شيء يخفى على الأستاذ الضي، وأن المدينة كلها قد تتحول إلى شبكة مراقبة تمتد من المدرسة حتى الحفائر وأشجار النيم. وكنا نعرف أن الرجل قادر على تحويل الفرح إلى محكمة ميدانية في لحظة، فقد اشتهر بإتقانه للعقاب، وبقدرته العجيبة على انتزاع “الكركاسة” من التلميذ قبل الجلد، وكأن الألم النفسي يجب أن يسبق ألم الجسد. ثم انتهت الإجازة، وجاء يوليو،فتحت المدارس أبوابها من جديد، فعادت الحياة إلى المدينة دفعة واحدة، رجع التلاميذ بوجوهٍ لوحتها شمس الأرياف، أو بملامح ممتلئة من زيارات الخرطوم ومدني وبورتسودان؛ تلك المدن التي كانت بالنسبة إلينا عوالم بعيدة تكاد تشبه الأساطير. كان عبدالحفيظ عروة ومكي أبدلة يحكيان بحماس عن الإجازة في الخرطوم: عن حديقة الحيوانات، والمقرن، وسينما كوليزيوم. وكنا نصغي إليهما بدهشة، كأنهما عادا من كوكب آخر لامن عاصمة البلاد، وفجأة قطع عم “البله” ذلك السحر حين قرع الجرس معلناً بداية العام الدراسي. اصطففنا في الطابور الصباحي، ذلك الطقس اليومي الذي كان يشبه معرضاً اجتماعياً كاملاً؛ ترى فيه تفاوت البيوت، واختلاف الأذواق، وأحلام الأسر البسيطة، المعلمات بثيابهن البيضاء، والمعلمون بقمصان “تحرمني منك” وبناطلين الشارلستون وأحذية “الدبابة”، وشعورهم المصففة على طريقة “الخنفس”. رددنا النشيد الوطني بصوت جماعي: نحن جند الله جند الوطن إن دعا داعي الفداء لم نخن نتحدى الموت عند المحن وكان للصباح رهبة جميلة مع ريشة الاستاذ المبدع موسي عبدالباسط… حتى انتهى النشيد. حينها وقف الأستاذ السنجك، مدير المدرسة، مرحباً بالتلاميذ ومتمنياً عاماً دراسياً ناجحاً. لكن كلماته لم تكتمل في ذاكرتنا، لأن شيئاً آخر كان يقترب من طرف الطابور. كان الأستاذ الضي قد دخل بخطواتٍ حاسمة، متجاوزاً كل البروتوكولات، وكأن حضوره لا يحتاج إلى استئذان،وفور أن لمحناه شعرنا بأن شيئاً في العالم اختلّ فجأة؛ اختلط الصباح بالليل، والفرح بالخوف، والنعاس باليقظة،كان يحمل ورقة “فلسكاب” مطوية عدة مرات ، صفراء من كثرة الاستعمال، كأنها وثيقة سرية. همس في أذن المدير، ثم استدار نحو التلاميذ، ووقف في منتصف الساحة كأنه يشطر الطابور نصفين. قال بصوته الجهير: — السلام عليكم ورحمة الله. فصرخنا جميعاً: — وعليكم السلام ورحمة الله وتعالى بركااااااااااتو! نظر إلينا طويلاً، ثم قال: — شوفوا يا تلاميذ… المعلم ده معلم في أي مدرسة. أنا زي الجوكر… ما عندي مدرسة بعينها. أنا اسمي الأستاذ الضي. ثم صاح: — أستاذ منو؟ فاهتزت الساحة: — أستااااذ الضي! ابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد ترى، ثم قال: عندكم ناس قضوا الإجازة حفلات و”نبلة” وعوم في الحفير… وده عندنا ممنوع، عشان كده ح “أنده” أسماءهم ليتعاقبوا قدام الطابور. في الخلف همس إسماعيل مبارك شيبون مرتجفاً: — لا إله إلا الله… دي مصيبة شنو! ثم بدأ الأستاذ الضي يفرد الورقة ببطءٍ مخيف، كأنها لائحة اتهام في محكمةٍ كبرى. وأخذ ينادي: إيهاب محمد مادبو شايب عبدالمنعم موسى كافي عثمان أحمد صالح عجيب موسى أحمد قسم الله طارق سليمان آدم ضيين عبدالباقي صباحي عجبنا الفكي خرجنا إلى وسط الطابور ونحن نشعر أن الأرض صارت أوسع من اللازم، وأن مئات العيون تطارد خطواتنا المرتبكة. لم نكن مستعدين لذلك اليوم،لاحيل للهروب، ولا أعذار جاهزة، ولا حتى قدرتنا على الكذب المقنع،ولاحقاً عرفنا أن الأستاذ الضي، يوم خطب قبل الإجازة، كان قد عيّن عدداً من التلاميذ “مخبرين” مهمتهم مراقبة كل من يخالف التعليمات. وقد أدّى هؤلاء “المصادر” أدوارهم بحماس رجال أمن حقيقيين؛ راقبوا الحفلات، والحفائر، والمضخات، وحتى تلك الجلسات تحت اشجار النيم. كانت طفولتنا نفسها محاصرة،وحين نادى أسماءنا، حاول بعض التلاميذ تنبيهه إلى أننا لسنا من مدرسة كليمو، بل من مدرسة الشرقية،لكن الأستاذ الضي لم يهتز. قال بثقة القاضي الذي لا يسقط حقه بالتقادم: — مالو؟ ح نصل ليهم في مدرستهم… وياخدوا جلدتهم زي الترتيب. ضحك بعض المعلمين خفية، بينما كدنا نحن نبكي من الرعب. ومع ذلك… تمر السنوات. ويكبر التلاميذ. ويمضي الأستاذ الضي إلى جهةٍ لا نعرفها، كما جاء ذات يوم من جهةٍ لا نعرفها،ولكن الذي بقي بعد كل هذا العمر لم يكن الخوف وحده. بقيت تلك المدينة الصغيرة التي كانت تربي أبناءها بالعصا أحياناً، وبالمحبة أحياناً كثيرة دون أن تدري. وبقيت أصوات الطابور، ورائحة الفول المصري، وغبار الساحات، وأشجار النيم، ودهشتنا الأولى تجاه الخرطوم،وبقيت تلك البراءة التي كانت ترى في الحفير بحراً، وفي السينما حلماً، وفي المعلم كائناً يملك بالفعل “مئة عين”. شارك تصفّح المقالات السودان الجديد في مرمى الدعاية: لماذا ترتبك الدولة القديمة؟ احتجاز قوافل الإغاثة بالدبة.. حين يتحول الجوع إلى سلاح سياسي