مايو 16, 2026

سقوط البروتكول السوداني

عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان .. يكتب

ما جرى في مدينة أوكسفورد البريطانية لم يعد مجرد حادثة عابرة داخل فعالية عامة بل تحول إلى مشهد سياسي ودبلوماسي يكشف حجم التراجع الذي أصاب مؤسسات الدولة السودانية في مرحلة أصبحت فيها الفوضى تطارد حتى الوفود الرسمية خارج البلاد

فالأنباء المتداولة بشأن استدعاء الشرطة البريطانية لبعض مرافقي كامل إدريس للتحقيق بعد حادثة اعتداء خلال فعالية عامة تمثل سابقة محرجة في الأعراف الدبلوماسية والبروتكولات المرتبطة بمرافقي كبار المسؤولين إذ إن الوفود الرسمية في الدول المحترمة تخضع لقواعد صارمة في السلوك والانضباط واحترام قوانين الدولة المستضيفة لأن أي تصرف فردي يتحول مباشرة إلى مسؤولية سياسية وأخلاقية تمس صورة الدولة بكاملها

غير أن الأكثر إثارة للدهشة ليس الحادثة وحدها بل الصمت الرسمي الذي أعقبها حيث بدت وزارة الخارجية السودانية وكأن الأمر لا يعنيها تماما وكأن رأسها قد خيم عليه الطير فلا توضيح للرأي العام ولا موقف دبلوماسي ولا محاولة لاحتواء الضرر السياسي والمعنوي الذي لحق بصورة السودان أمام المجتمع الدولي

هذا الغياب الكامل للمؤسسة الدبلوماسية يعكس حجم التآكل الذي أصاب أجهزة الدولة ويؤكد أن السودان لم يعد يدار بعقلية المؤسسات بل بعقلية الارتباك واللامبالاة السياسية في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أعلى درجات الانضباط والمسؤولية الوطنية

فالبروتكول الرئاسي ليس مجرد مراسم شكلية أو موكب رسمي بل هو منظومة قانونية وأخلاقية تحكم سلوك المسؤولين ومرافقيهم داخل وخارج البلاد وتستند إلى قواعد راسخة في القانون الدولي واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية التي تلزم الوفود الرسمية باحترام قوانين الدولة المضيفة والحفاظ على صورة بلادها وهيبتها السياسية

لكن ما حدث في أوكسفورد قدم صورة مغايرة تماما إذ بدا المشهد أقرب إلى حالة من الفوضى السياسية التي لا تليق بدولة لها تاريخ دبلوماسي عريق ولا بموقع يفترض أنه يمثل السلطة التنفيذية السودانية أمام العالم

والحقيقة التي لم تعد قابلة للتجاهل أن كامل إدريس لا يظهر اليوم باعتباره رئيس وزراء لكل السودانيين بقدر ما يبدو جزءا من السلطة المرتبطة باستمرار الحرب وخطاب الاستقطاب السياسي وهو ما أفقد منصبه كثيرا من رمزيته الوطنية الجامعة وجعل حضوره السياسي محل جدل واسع داخل الأوساط السودانية

فالدولة التي تنشغل بالحرب أكثر من انشغالها ببناء المؤسسات وإصلاح صورتها الخارجية لا تنتج سوى مزيد من الانهيار السياسي والدبلوماسي ومزيد من الإضرار بسمعة شعب يستحق دولة محترمة تعبر عنه لا سلطة مرتبكة تلاحقها الأزمات حتى خارج حدودها

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مواكب رسمية ولا خطابات دعائية بقدر ما يحتاج إلى دولة تحترم نفسها ومؤسساتها وتدرك أن هيبة الأوطان لا تحفظ بالشعارات وإنما بالانضباط والمسؤولية واحترام القانون وصيانة كرامة الدولة أمام العالم

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

16 /مايو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *