بقلم: آدم الحاج أديب ليس أخطر على الأوطان من مؤسسةٍ تحمل السلاح وتعتقد أنها وحدها تجسّد الهوية الوطنية، وأن بقية المواطنين مجرد “رعايا” تُمنح لهم الوطنية بقدر عتبة الولاء والطاعة لقادتها. فعندما تُرفع المؤسسة العسكرية إلى مقام التقديس، وتُعفى من النقد والمساءلة، يحدث الانحراف الكبير: يتحول الجيش من جهاز دستوري وطني إلى سلطة فوق الدولة، ومن حامٍ للحدود إلى محدِّد لمصير الشعوب، ومن أداة لحفظ الأمن إلى آلة لإعادة إنتاج الهيمنة والعنف. في مفهوم الدولة الحديثة.. المؤسسة لا تبتلع الدولة في فلسفة الدولة الحديثة، الجيش هو مؤسسة من مؤسسات الدولة، وليس الدولة نفسها. شرعيته مستمدة بالأساس من الدستور، ووظيفته الحصرية محددة في حماية السيادة الوطنية، والدفاع عن الحدود، وصون النظام الدستوري. وبناءً على ذلك، لا يملك أي قائد عسكري، مهما علا شأنه، تفويضاً مفتوحاً لاحتكار صكوك الوطنية، أو خوض الحروب، أو تقرير مصير البلاد بمعزل عن الإرادة الشعبية ومؤسسات الحكم والقانون. لكن، حين تتحول المؤسسة العسكرية إلى مركز للوصاية السياسية، وتعتبر نفسها الحكم النهائي في شؤون المجتمع، تتآكل المهنية العسكرية، وتذوب الحدود الفاصلة بين الواجب الوطني والمصلحة السياسية الضيقة، ليتحول الجيش -في نهاية المطاف- إلى أداة لحماية امتيازات النخب لا لحماية تراب الوطن. مقاربة مفاهيمية.. الجيش المهني في مواجهة “الجيش الوصي” لتفكيك هذا المشهد، لا بد من التمييز الحاسم بين عقيدتين: الجيش المهني: هو ذلك الجهاز الذي يخضع تماماً للسلطة المدنية الدستورية، ويلتزم بالحياد السياسي الصارم، ويحتكر استخدام القوة وفقاً للقانون فقط، ويخضع للمحاسبة والرقابة البرلمانية والقضائية؛ إنه الجيش الذي يحمي الشعب ولا يحكمه. الجيش الوصي: هو سلطة تضع نفسها كمصدر وحيد للشرعية، وتتوغل في مفاصل السياسة والاقتصاد والإعلام، وتمنح لنفسها الحق في تصنيف المواطنين بين “وطني” و”خائن”، مستخدمة السلاح لإدامة نفوذ النخب الحاكمة، وضامنة لنفسها موقعاً فوق النقد والمساءلة. تناقضات الخطاب.. عندما يصبح الجيش مظلة للمليشيات حين تتحول المؤسسة العسكرية إلى مظلة فضفاضة تتعايش داخلها الولاءات السياسية والعقائدية، والتشكيلات المسلحة الموازية، فإنها تفقد معناها المؤسسي الجامع، وتتحول إلى تحالف مليشيوي أكثر من كونها جيشاً وطنياً. واليوم، يتجلى هذا التناقض الصارخ في المشهد السوداني؛ حيث يتم استقبال من كانوا يُوصَفون بالأمس القريب بأنهم “قتلة ومجرمون وأجانب”، ليُقدَّموا اليوم في مشهد سريالي كأبطال فاتحين! وهنا يجب على المواطن البسيط -الذي استُنفر وقاتل تحت شعار “المقاومة الشعبية” دفاعاً عن كرامته- أن يسأل نفسه بوعي: أين هي الكرامة في هذا المشهد؟ هل هي كرامة الوطن والمواطن، أم كرامة سلطة “الكيزان” وإعادة إنتاج النظام القديم؟ وأي كرامة مزعومة هذه التي قُتل من أجلها المواطن، وسُلِبت حقوقه، وشُرِّد من أرضه وبيته ومستقبله؟ قرار الحرب.. من الذي فوّض قيادة الجيش؟ بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة في لحظة اندلاع شرارة الحرب، فإن الفريق أول عبد الفتاح البرهان يجب أن يخضع للمساءلة القانونية والسياسية حول سؤال جوهري لا يسقط بالتقادم: من الذي فوّضه لخوض حرب 15 أبريل 2023؟ ما هو الأساس الدستوري والقانوني لهذا القرار المصيري؟ ومن يتحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية عن الدماء، والدمار، والنزوح المليوني، وفقدان الحقوق المترتبة على هذه الحرب؟ إن المساءلة هنا ليست أداة للانتقام، بل هي جوهر دولة القانون؛ فلا أحد -مدنياً كان أم عسكرياً- يعلو فوق الدستور، أو فوق حق الشعب في معرفة الحقيقة ومحاسبة صانعي القرار. ”عنصرية الدولة”.. تفخيخ السيادة وتمزيق النسيج الاجتماعي إن تغلغل العقيدة العنصرية في مفاصل الدولة هو السلاح الأكثر فتكاً بسيادتها وتماسكها الاجتماعي. والخطاب الإثني والمناطقي المأزوم الذي ظل يصدر عن الفريق ياسر العطا وغيره من القادة العسكريين، يعكس طبيعة هذه الحرب باعتبارها أداة إقصاء عرقية؛ حيث تُمنح الرتب والأوسمة والنياشين ليس بناءً على بطولات حربية في الذود عن حمى السيادة، وإنما مكافأة على “سلاح الألسن” والسياسات التي أفلحت في تمزيق المجتمعات السودانية. وفي المقابل، يبرز التناقض الفاضح: لا تُسأل القيادة العسكرية مجرد سؤال عن كرامة السيادة المستباحة في “حلايب وشلاتين والفشقة”، بينما يُجيَّش ويُستنفر المواطنون لقتال بني جلدتهم في الداخل! فأي عمالة هذه؟ وأي وطنية تلك التي تبني أمجادها على جثث مواطنيها؟ نحو عقد اجتماعي جديد للمؤسسات السودانية إن الدولة السودانية تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي يتطلب إعادة تعريف جذري لمؤسساتها التي تمثل الشعب مدنياً وعسكرياً. تعريف يتجاوز إرث الهيمنة ليقوم على: المواطنة المتساوية دون تمييز أو إقصاء. الاحترام الصارم للتنوع الثقافي والاجتماعي الفريد للسودان. الخضوع الكامل واللامشروط للدستور وسلطة القانون. تجريم خطاب الكراهية والتحريض الإثني والمناطقي. بناء قوات مسلحة مهنية وقومية تمثل جميع السودانيين بلا استثناء، وتلتزم بحماية الخيار الديمقراطي. خاتمة: لا قداسة فوق القانون المؤسسات الوطنية تُحترم بقدر التزامها بالقانون، لا بقدر الحصانة التي تمنحها لنفسها بقوة السلاح. والجيش الحقيقي هو الذي يقبل بالرقابة والمساءلة، ويعود إلى ثكناته ليمارس دوره الطبيعي بوصفه حامياً للوطن لا وصياً عليه. فلا قداسة فوق القانون، ولا شرعية لسلاح يُستخدم لإدامة سلطة النخب، ولا مستقبل لدولة لا يخضع فيها الجميع -دون استثناء- لحكم الدستور وميزان العدالة. شارك تصفّح المقالات وحدة البلاد ممكنة رغم الاتقسام الاجتماعي و التقسيم الاداري بحكم الامر الواقع