عمار نجم الدين…يكتب في علم النفس الاجتماعي، يُعرف “الاستلاب البنيوي” بأنه القدرة على إقناع الضحية بدفع ثمن حبل المشنقة، والابتسام للكاميرا أثناء لفه حول العنق. تاريخياً، كانت جبال النوبة (دلامي، كادقلي، كيقيا، والمورو) تُجتاح بواسطة تجار الرقيق كالزبير باشا والبلالي وعمورة. اليوم، تحولت السردية جغرافياً ونفسياً إلى “الحاج يوسف” بشرق الخرطوم. الحاج يوسف، التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي كـ “ملجأ عشوائي” من بيوت الكرتون (كرتون كسلا) هرباً من حرب مؤسسة الجلابي، تحولت اليوم عبر ثلاثة أجيال إلى “خزان بشري” جاهز للاستهلاك العسكري. بالنسبة لعبد الفتاح البرهان، الحاج يوسف هي ذاتها جبال النوبة قبل مائتي عام؛ مستودع فائض القوة البشرية الذي يُستدعى حين تجف الخزائن ويشتد وطيس المعارك. الكوميديا السوداء تبلغ ذروتها في تطور “ضريبة الدقنية”. تلك الجزية الإسلامية الاستعمارية الظالمة التي كانت تُؤخذ برأس النوبي بمجرد بلوغه ونبت شعر وجهه، لم تختفِ؛ بل جرى تحديثها بنيوياً. “الدقنية” الحديثة لا تُدفع نقداً، بل تُدفع دماً وولاءً عبر وكلاء محليين من أبناء النوبة أنفسهم، أمثال مبارك أردول، والكباشي، ووزير الدفاع حسن كبرون، الذين يؤدون وظيفة “الخلابة” القديمة ببدلات حديثة، ويقبضون ثمن “الرأس” مقعداً قرب المائدة. المضحك المبكي، أن أحفاد نازحي الكرتون ما زالوا يدفعون “الدقنية” للمركز، ليس لحكومة المستعمر، بل لوكلائه الذين يقنعونهم بأن الموت واستعراض الأجساد تحت الشمس والحشد لمعركة حفيد تاجر الرقيق البرهان هو قمة “الدمج الوطني”. شارك تصفّح المقالات نيــــــــــروبي وإعادة تدوير الفشل السودانينيروبي وإعادة تدوير الفشل الســــــــــوداني كرامة تحت الانقاض