متابعات – نبض نيوز

يشكل خطاب رئيس المجلس الرئاسي لتحالف تأسيس بمناسبة عيد الأضحية 2026 منعطفاً سياسياً مهماً في مسار الصراع بالسودان. فهو لم يكن مجرد خطاب مناسبة، بل وثيقة سياسية وضعت الخطوط العريضة لمرحلة جديدة من المواجهة مع دولة 56.

من أبرز ما جاء في الخطاب الإشارة إلى التحول الجذري الذي طرأ على قواعد مجتمعية كانت لعقود بمثابة السند الاجتماعي والسياسي للقوات المسلحة في حروبها المستدامة ضد ثورات الهامش. هذه المجتمعات نفسها انقلبت بقدرة قادر لتصبح اليوم جزءاً من القوة الثورية التي تحمل السلاح وتقود المشروع السياسي ضد المركز.

التغيير لم يكن عسكرياً فقط، بل فكري وسياسي جمعي. فقد اكتملت حلقة توافق الهامش الاجتماعي مع قوى تغيير سياسية ومدنية أخرى، لتتشكل جبهة عريضة تضع على رأس أهدافها تفكيك بنية دولة 56 بكل مكوناتها: جيشها، مليشياتها، ونخبها التاريخية. وهذا الاصطفاف يعكس أن المعركة تجاوزت حدود البندقية إلى معركة مشروع دولة كامل.

أكد رئيس المجلس الرئاسي أن الثورة القائمة ليست حدثاً عابراً أو انقلاباً على السلطة، بل امتداد طبيعي لثورات الهامش التي قادها قرنق وبولاد ويوسف كوة وخليل. هذا التأصيل التاريخي يمنح المشروع شرعية ثورية ويضعه في سياق نضال طويل ضد مركزية الدولة وإقصائها. وحدد الخطاب بوضوح أن التغيير المنشود يسعى إلى قيام دولة الحكم الراشد، القائمة على العدالة والفدرالية الحقيقية. وهي صيغة دولة بديلة لمركزية الخرطوم التي حكمت البلاد منذ الاستقلال.

اللافت في الخطاب أنه وضع ملف التغيير على طاولة دعاة التغيير قولاً وفعلاً، دون أي إشارة للرجوع أو للجلوس مع “الآخر” للمساومة على هذه الأهداف. الخطاب بهذا المعنى خطاب حسم، لا خطاب تفاوض. وهو يغلق الباب أمام أي محاولة لخفض سقف التغيير أو العودة إلى تسويات مرحلية.

وفي ذات يوم الخطاب، صدر ميثاق المبادئ للقوى السياسية والمدنية والاجتماعية بنيروبي. وعند المقارنة بين النصين، يلاحظ المراقب تطابقاً كبيراً في سقف الأهداف وطبيعة المشروع السياسي. لا فرق جوهري بين ما طرحه تحالف تأسيس وما جاء في ميثاق نيروبي فيما يخص شكل الدولة، العدالة، وقضية الهامش.

تزامن خطاب رئيس المجلس الرئاسي مع صدور ميثاق نيروبي يطرح سؤالاً مركزياً: هل هو تقاطع عفوي في التوقيت والأهداف؟ أم أن هناك تنسيقاً سياسياً يُنضج على نار هادئة، ليبلغ محطته في إعلان توافق وتحالف مباشر بين تحالف تأسيس وقوى إعلان المبادئ؟

المؤشرات الميدانية والسياسية تشير إلى أن ما يجري هو أكثر من تقاطع مرحلي. يبدو أننا أمام إرهاصات اصطفاف سياسي جديد يكتمل تشكله، وقد يكون هو النواة الفعلية لمرحلة ما بعد دولة 56. فالتقاطع بين الخطاب والميثاق يرجح أن الأرضية صارت مهيأة لإعلان تحالف سياسي أوسع في المرحلة القادمة.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *