عمار سعيد …يكتب

لأول مرة منذ اندلاع الحرب، يضع الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) ملف إصلاح المؤسسة العسكرية في قلب خطابه السياسي والعسكري، متجاوزاً الحديث التقليدي عن المعارك والميدان إلى طرح أكثر عمقاً يتعلق بمستقبل الدولة السودانية نفسها.

فحين يتحدث حميدتي عن “جيش وطني بلا أيديولوجيا” وعن عقيدة عسكرية جديدة تقوم على المهنية والمواطنة، فإنه لا يخوض معركة عسكرية فحسب، بل يفتح مواجهة سياسية وفكرية حول طبيعة المؤسسة العسكرية التي ستقود السودان بعد انتهاء الحرب.

لقد ظل الجيش السوداني لعقود طويلة محل جدل بسبب ارتباطه المتكرر بالانقلابات العسكرية والتدخل في السياسة والاقتصاد، فضلاً عن الاتهامات المستمرة بتغلغل الحركة الإسلامية داخل مفاصل المؤسسة العسكرية منذ عهد الإنقاذ. ومن هذا المنطلق يبدو أن الدعم السريع يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره حاملاً لمشروع إعادة التأسيس، لا مجرد طرف في الحرب.

*لماذا الآن؟*

*توقيت هذا الطرح ليس مصادفة.*

ففي الوقت الذي تتزايد فيه المؤشرات على تصاعد نفوذ الكتائب العقائدية والمجموعات المسلحة المتعددة داخل معسكر بورتسودان، وتتعالى أصوات قادة المليشيات والحركات المسلحة أكثر من صوت المؤسسة العسكرية الرسمية نفسها، يبرز خطاب حميدتي كمحاولة لتوجيه سؤال جوهري إلى الداخل والخارج:

هل ما يزال الجيش السوداني مؤسسة وطنية موحدة أم أنه أصبح مظلة لتحالفات عسكرية وأيديولوجية متباينة؟

هذا السؤال يكتسب أهمية أكبر في ظل التناقضات المتزايدة داخل المعسكر المناهض للدعم السريع، حيث باتت الخلافات السياسية والإعلامية والعسكرية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

*رسائل متعددة الاتجاهات*

يمكن قراءة خطاب حميدتي باعتباره يحمل ثلاث رسائل رئيسية:

أولاً: رسالة للداخل السوداني مفادها أن الحرب ليست مجرد صراع على السلطة، بل صراع على شكل الدولة وطبيعة الجيش الذي سيحميها مستقبلاً.

ثانياً: رسالة للقوى المدنية مفادها أن مشروع الدعم السريع يتبنى فكرة إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس جديدة تضعها تحت سلطة مدنية وتفصلها عن النشاط الحزبي والأيديولوجي.

ثالثاً: رسالة للمجتمع الدولي بأن الأزمة السودانية لا يمكن حلها بإيقاف الحرب فقط، وإنما بمعالجة جذور الأزمة داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

*ظهور القادة المختفين وإشارات إعادة الهيكلة*

خلال الأشهر الماضية ظهرت شخصيات وقادة عسكريون بارزون في قوات الدعم السريع ظلوا بعيدين عن المشهد الإعلامي لفترات طويلة، كما تزايد الحديث عن التدريب النوعي وإعادة التنظيم والهيكلة.

هذه المؤشرات تهدف إلى إيصال انطباع بأن الدعم السريع لا يعمل بعقلية القوة المؤقتة أو التشكيل العابر، بل يسعى إلى تقديم نفسه كتنظيم عسكري يمتلك رؤية طويلة الأمد لإعادة بناء المؤسسة العسكرية.

وفي المقابل، يرى مؤيدو هذا الطرح أن البرهان، بدلاً من الحفاظ على البنية التقليدية للجيش، وجد نفسه مضطراً للاعتماد على طيف واسع من المليشيات والكتائب والحركات المسلحة، الأمر الذي أدى عملياً إلى إضعاف احتكار الجيش للقوة المنظمة وإلى تآكل صورته كمؤسسة مركزية موحدة.

*معضلة السلطة المدنية والواقع الإقليمي*

غير أن النقطة الأكثر إثارة للاهتمام في خطاب “العقيدة الجديدة” لا تتعلق فقط بإصلاح الجيش، بل بفكرة إخضاع المؤسسة العسكرية بالكامل لسلطة مدنية منتخبة ومنع تدخلها في السياسة والاقتصاد.

فهذه الفكرة، رغم جاذبيتها النظرية وارتباطها بالنماذج الديمقراطية الحديثة، تصطدم بواقع مختلف في كثير من دول العالم الثالث والإقليم، حيث لا تزال المؤسسة العسكرية تمثل أحد أهم مراكز القوة السياسية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى مشروع بناء جيش مهني غير متدخل في الحكم والسياسة باعتباره نموذجاً غير مألوف إقليمياً، بل وربما سابقة يمكن أن تفتح نقاشات مماثلة في دول أخرى تعيش أوضاعاً مشابهة.

ولهذا السبب قد لا تجد مثل هذه الطروحات ترحيباً كاملاً من بعض القوى الإقليمية التي اعتادت التعامل مع أنظمة تقوم فيها المؤسسة العسكرية بدور سياسي مباشر أو غير مباشر، إذ إن نجاح تجربة سودانية قائمة على جيش مهني خاضع بالكامل للسلطة المدنية قد يحمل رسائل تتجاوز الحدود السودانية نفسها.

*ما هو المخطط المطروح؟*

إذا جمعنا بين تصريحات القائد حميدتي ومجمل الخطاب السياسي المصاحب لها، فإن التصور المطروح يمكن تلخيصه في عدة مراحل:

* إنهاء الحرب عبر تسوية سياسية شاملة.

* إعادة تعريف العقيدة العسكرية على أساس المواطنة لا الأيديولوجيا.

* تفكيك النفوذ الحزبي داخل المؤسسة العسكرية.

* دمج وإعادة هيكلة القوى العسكرية وفق معايير مهنية.

* إخضاع المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية منتخبة.

* منع تدخل الجيش في النشاط الاقتصادي والسياسي.

* بناء مؤسسة عسكرية قومية تعكس التنوع السوداني

ان ما يطرحه القائد حميدتي اليوم يتجاوز حدود الخطاب العسكري التقليدي، فهو يحاول نقل الصراع من معركة السيطرة على الأرض إلى معركة الشرعية السياسية ومشروع الدولة.

السؤال الذي يسعى الخطاب إلى طرحه ليس من يربح الحرب فقط، بل من يمتلك رؤية أكثر إقناعاً لبناء السودان بعد الحرب.

وبغض النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة، فإن إدخال ملف “العقيدة العسكرية” و”إصلاح الجيش” إلى قلب النقاش السياسي السوداني يمثل تطوراً مهماً، لأن معركة المستقبل قد لا تُحسم فقط في ساحات القتال، وإنما في الإجابة عن سؤال أكثر تعقيداً: أي جيش يحتاجه السودان في القرن الحادي والعشرين؟ وأي دولة يمكن أن تُبى فوق أنقاض هذه الحرب؟

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *