م/أدم مكرم …يكتب في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، يصبح للكلمة وزن يفوق أحياناً وقع الرصاص، وللخطاب الإعلامي تأثير قد يتجاوز تأثير المعارك نفسها. فالإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو أداة لتشكيل الوعي العام، وبناء المواقف، وصياغة التصورات حول الحاضر والمستقبل. لكن ما نشهده اليوم في الفضاء الإعلامي، لا سيما في سياق الحرب السودانية، يكشف عن أزمة عميقة في مستوى الخطاب العام، وانحدار مقلق في المضامين التي تُقدَّم للجمهور. فبدلاً من أن تكون المنصات الإعلامية ساحات للنقاش الرصين والتحليل الموضوعي، تحولت في كثير من الأحيان إلى ميادين للمشادّات اللفظية وتبادل الاتهامات وإثارة الأحقاد. وأصبحت لغة التخوين والتشفي والنبز الشخصي أكثر حضوراً من لغة العقل والحكمة. كما تحولت بعض المنصات الرقمية إلى ما يشبه ساحات حرب موازية، تُدار فيها معارك يومية بالكلمات والصور والمقاطع المصممة لإثارة الغضب والانقسام. لقد أفرزت الحرب ما يمكن تسميته بـ”حرب القونات”، وهي ظاهرة تعكس انتقال الصراع من ساحات المواجهة العسكرية إلى فضاءات التواصل الاجتماعي، حيث يتنافس البعض في إنتاج المحتوى الاستفزازي والسخرية من الخصوم وتحقيرهم، في مشهد يعكس تراجعاً خطيراً في القيم المهنية والأخلاقية التي يفترض أن تحكم العمل الإعلامي. ولم يعد الهدف لدى بعض الأطراف البحث عن الحقيقة أو خدمة المصلحة العامة، بل تحقيق أكبر قدر من الانتشار والتأثير ولو كان الثمن تمزيق ما تبقى من النسيج الاجتماعي. والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يقف عند حدود التعبير عن الانقسام، بل يسهم في تعميقه وإعادة إنتاجه. فالكراهية التي تُبث يومياً عبر الشاشات والمنصات الرقمية تتحول مع مرور الوقت إلى قناعات راسخة ومواقف يصعب تجاوزها. وعندما يُصوَّر الآخر باعتباره عدواً مطلقاً لا شريكاً في الوطن، تتقلص فرص المصالحة وتتراجع إمكانية بناء مشروع وطني جامع. إن السودان اليوم، وهو يواجه واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه الحديث، لا يحتاج إلى المزيد من الأصوات التي تصب الزيت على النار، بل إلى خطاب جديد يعيد الاعتبار لقيم الحوار والتسامح والمسؤولية الوطنية. خطاب يدرك أن الحروب تنتهي في نهاية المطاف، لكن آثار الكلمات المحرضة قد تبقى لعقود طويلة، وأن إعادة بناء الثقة بين المواطنين ستكون أكثر صعوبة كلما اتسعت مساحة الكراهية والتحريض. ومن هنا تبرز مسؤولية المثقفين والأكاديميين والإعلاميين وقادة الرأي العام في تقديم بديل أخلاقي ومعرفي لهذا الانحدار. فالمطلوب ليس خطاباً دعائياً أو خطاباً يجمّل الواقع، وإنما خطاب وطني مستنير يعترف بالحقائق ويطرح الحلول، ويعمل على رتق النسيج الاجتماعي الذي مزقته سنوات الصراع والاستقطاب. إن الأمم التي نجحت في تجاوز الحروب لم تفعل ذلك بالسلاح وحده، بل بقدرتها على إنتاج سردية وطنية جامعة تسمح للناس بالالتقاء حول مستقبل مشترك. ولذلك فإن معركة السودان الحقيقية لا تقتصر على إيقاف الحرب، بل تمتد إلى استعادة المجال العام من خطاب الكراهية والتضليل، وإعادة بناء ثقافة سياسية وإعلامية تؤمن بالتعدد والاختلاف وتحترم كرامة الإنسان. فالكلمات ليست مجرد أصوات عابرة، بل أدوات تصنع الواقع وتؤسس للمستقبل. وبين خطاب يزرع الأحقاد وخطاب يفتح أبواب السلام، يقف السودان اليوم أمام خيار تاريخي ستكون نتائجه حاسمة في رسم ملامح ما بعد الحرب. فإما أن نواصل إنتاج الانقسام، أو نبدأ في صناعة الأمل.هذا النص مناسب للنشر في الصحف والمواقع الإخبارية، ويمكن أيضاً إضافة اسم الكاتب في النهاية بصيغة: بقلم: م. آدم مكرم مع صياغة أكثر جرأة وعمقاً إذا كان موجهاً لصفحات الرأي والتحليل السياسي. كمبالا ٢٩ مايو ٢٠٢٦ م engineermakram@gmail.com شارك تصفّح المقالات *“العقيدة الجديدة” ومعركة إعادة تأسيس الجيش السوداني: هل بدأ الصراع على شرعية ما بعد الحرب؟* مجتمع بلا مرجعية معرفية موحدة (إشكالية التأسيس المعرفي)