عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان…يكتب

 

ليست مشكلة السودان في شعبه كما يحاول البعض أن يصور وليست في تعدد قبائله ولا في تنوع أقاليمه ولا في اختلاف ثقافاته ولغاته فهذه كلها عناصر قوة وثروة وطنية كان يمكن أن تجعل من السودان واحدا من أكثر الدول استقرارا وتقدما في القارة الأفريقية

 

المشكلة الحقيقية تكمن في طريقة إدارة الدولة وفي فشل النخب السياسية والعسكرية المتعاقبة في بناء مشروع وطني جامع يتسع لجميع السودانيين دون تمييز أو إقصاء

 

القبيلة في السودان ليست جريمة وليست سببا للحروب بل هي جزء من التاريخ والهوية والوجدان الاجتماعي لكن الكارثة تبدأ عندما تتحول القبيلة إلى أداة سياسية وإلى وسيلة للتعبئة والتحشيد وإشعال النزاعات عندها تصبح دماء الأبناء وقودا لمعارك لا تخدم مصالحهم ولا تحقق تطلعاتهم

 

فلا توجد قبيلة تحكم دولة ولا يمكن لدولة حديثة أن تدار بعقلية الانتماء الضيق لكن بعض الساسة اعتادوا استغلال الانتماءات القبلية والجهوية كلما ضاقت بهم السبل وكلما فشلوا في إدارة شؤون البلاد فحولوا التنوع السوداني من مصدر قوة إلى ساحة صراع مفتوح

 

كما أن تعدد الأقاليم ليس هو المشكلة فالسودان بلد واسع متعدد الثقافات والبيئات والموارد لكن الخلل ظل دائما في المركزية المفرطة التي احتكرت القرار والثروة والسلطة لعقود طويلة الأمر الذي خلق شعورا عميقا بالظلم والتهميش لدى كثير من المناطق ودفع بعض أبنائها إلى حمل السلاح بحثا عن الاعتراف والعدالة

 

أما الحديث عن فقر الموارد فهو حديث يناقض الواقع فالسودان يمتلك ثروات طبيعية هائلة من الأراضي الزراعية والمياه والمعادن والنفط والذهب إضافة إلى طاقات بشرية كبيرة وشباب قادر على البناء والعطاء لكن سوء الإدارة والفساد واستنزاف الموارد في الحروب والصراعات حرم البلاد من الاستفادة من هذه الإمكانيات الضخمة

 

لقد تحولت الحرب في السودان إلى مأساة وطنية يدفع ثمنها المواطن البسيط بينما يواصل المستفيدون من النزاع حصد المكاسب السياسية والاقتصادية على حساب دماء الأبرياء ومع مرور الوقت أصبح واضحا أن الضحايا الحقيقيين هم أبناء السودان جميعا بمختلف قبائلهم وأقاليمهم وانتماءاتهم

 

فكل من قتل في هذه الحرب سوداني وكل من نزح أو فقد منزله أو مصدر رزقه سوداني وكل أم بكت ابنها وكل طفل حرم من التعليم وكل أسرة مزقتها المأساة هي جزء من هذا الوطن الجريح

 

إن بناء السودان لا يمكن أن يتحقق إلا عبر دولة المواطنة والقانون دولة تقف على مسافة واحدة من الجميع وتحمي الحقوق والحريات وتضمن التوزيع العادل للسلطة والثروة وتغلق الطريق أمام تجار الحرب وأمراء الأزمات

 

إن وقف الحرب لم يعد مجرد مطلب سياسي بل أصبح ضرورة وطنية وأخلاقية وإنسانية لا تحتمل التأجيل فالأوطان تبنى بالسلام والعمل والعدالة لا بالرصاص والدمار

 

لقد تأخر الوقت كثيرا لكن ما زالت أمام السودانيين فرصة لإنقاذ السودان واستعادة دولتهم وإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان السوداني الذي دفع ثمنا باهظا لصراعات لم يكن يوما طرفا حقيقيا فيها

 

ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة من الجميع كم من الدماء يجب أن تسيل بعد حتى يدرك دعاة الحرب أن السودان أكبر من السلطة وأن الوطن أغلى من كل المكاسب وأن السلام هو الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من البلاد

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

 

30/ مايو/ 2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *