م. عبدالملك زكريا..يكتب دراسة إجتماعية وفلسفية لتشظي المرجعيات وصراع الرؤى . تُمثّل بنية العقل في منظور علم الاجتماع النسق التوليدي والنواة التأسيسية للوعي وهي المحفز الجوهري الذي يحدد فكرة الإنسان عن نفسه ومنحى تفاعله واستجابته للعالم المحيط به وفي السياق السوداني المأزوم يتبدى المشهد العام كحالة تقليدية (كلاسيكية) لمجتمع يعاني من غياب مرجعية معرفية وقيمية موحدة قادرة على صهر التباين والتعدد الثقافي والإثني في هوية وطنية متماسكة .. إن هذا التشظي المعرفي لا ينعكس فقط في شكل سجالات أدبية ونخبوية بل يتجسد في شكل انقسامات بنيوية حادة ونزاعات أهلية مزمنة وعجز مستمر عن التأسيس لدولة المواطنة والديمقراطية اي الدولة المدنية .. إن تفكيك هذه الإشكالية المعقدة يستدعي البحث في الأطروحات الفكرية الكبرى التي حاولت تشخيص المأزق التاريخي للسودان وتحليلاً للمدارس الهوياتية المتصارعة واستقصاءً لآليات الهيمنة المعرفية التي مارستها السلطة عبر التعليم والمناهج وصولاً إلى الأفق البديل الذي تطرحه (السودانية) كشراكة عقدية جامعة ومستدامة واليكم بعض من الامثلة لهذه الاطروحات : #- المأزق التاريخي وجدلية التركيب: قراءة في أطروحة محمد أبو القاسم حاج حمد الفكرية التي تصدت لتشخيص الأزمة السودانية من خلال مشروعه النقدي السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل: جدلية التركيب حيث ينصرف مفهوم المأزق التاريخي لديه إلى دراسة الأزمات السياسية في سياق تداخلها الجيوسياسي والاجتماعي حيث يرفض دراسة التاريخ كحقبات زمنية جامدة بل يراه حركة حية يصنع فيها الفاعلون الاجتماعيون شرط الفعل وتتأسس أطروحتة على منهجية “جدلية التركيب” التي تبحث في الشروط الواقعية والجغرافية والمكانية التي يبني عليها المواطن السوداني فاعليته ويرى أن تاريخ السودان القديم والوسيط قد شهد تفاعلاً حميماً بين الهجرات العربية والاسلامية والممالك الأفريقية القديمة مما أنتج وحدة كلية جديدة ومع ذلك فإن لحظة الاستقلال في عام 1956م التي كانت تمثل اللحظة الوطنية الكبرى قد شابتها عيوب تأسيسية قاتلة إذ تم إكتفاء النخب بـسودنة الوظائف دون إعادة هيكلة الدولة أو صياغة وعي وطني جديد وقد ركنت مع النخب العسكرية إلى الخيارات السلطوية بدلاً من تعزيز الديمقراطية وفي هذا الإطار يرى حاج حمد أن الطرق الصوفية تمثل الاستثناء الوحيد العابر للمكونات العرقية والقبلية القادرة على إنتاج إسلام روحي مستلهم من الروحانية بعيداً عن المدارس الفقهية والتي تعتبر شرقية مستوردة حسب فهمه لها (المدارس الفقهية) دون التعمق في كونها مذاهب مفتاحية اجتهادية تيسيرية وليست تشددية منفرة في صياغها العام المكاني والزماني وفتحها الباب واسعا للاجتهاد . وكذلك طرحه فكرته الجريئة المتمثلة في كنفدرالية القرن الأفريقي التي تضم السودان وجواره معيداً تعريف المركز ليكون مركزاً معرفياً وثقافياً يأخذ على عاتقه رفع الأقاليم والهوامش لتحاذيه في العلم والفهم لا مركزاً دكتاتورياً يحتكر السلطة والثروة . #- إدمان الفشل وبنية دولة الغنائم : د. منصور خالد ومن خلال تفكيكه للظاهرة السياسية تبرز كتابات د. منصور خالد بوصفها المرجعية المعرفية الأبرز في تحليل تاريخ السودان السياسي الحديث فمن خلال مؤلفاته التاريخية والنقدية مثل النخبة السودانية وإدمان الفشل والسودان النفق المظلم والفجر الكاذب .. شرّح خالد البنية النفسية والمعرفية للصفوة السياسية السودانية ويتلاقى منصور خالد مع أطروحات نقد الدولة التقليدية في وصفه للدولة السودانية بـالدولة الغنائمية وهي الدولة التي تأسست على خصخصة السلطة والموارد لمصلحة تحالف ضيق يجمع بين المؤسسة العسكرية والقيادات الطائفية والزعامات القبلية والشرائح التجارية ويرى خالد أن أزمة الدولة السودانية هي أزمة شرعية قبل أن تكون أزمة مؤسساتية .. إذ عجزت هذه النخب عن بلورة مشروع وطني ديمقراطي وظلت تعيد إنتاج الفشل من خلال الإقصاء المستمر للمكونات الهامشية مما دفع الأقاليم حتماً نحو خيارات التمرد المسلح والمطالبة بالحكم الذاتي وصولاً إلى الانفصال . #- صراع الرؤى وأزمة الهوية: من الهيمنة الأحادية إلى الاستلاب النفسي .. قراءة تشظي المرجعية المعرفية في السودان لا يمكن قراءتها بمعزل عن أزمة الهوية التي وثقها الدكتور فرنسيس دينق في كتابه المرجعي صراع الرؤى: نزاع الهويات في السودان … حيث يوضح دينق أن الاستعمار البريطاني زرع بذور الانقسام برسم سياسات عزلت الشمال عن الجنوب مما بلور اتجاهاً مسيحياً وأفريقياً في الجنوب مقابل اتجاه إسلامي وعربي في الشمال ومع نيل الاستقلال ورثت الحكومات الوطنية هذا الانقسام التاريخي وكذلك وعدت وفشلت فشلاً ذريعاً رتق الفتق والوفاء بالوعد (ولا سيما الأنظمة العسكرية الديكتاتورية) في صياغة هوية مشتركة تجمع التباين والتنوع الثقافي السوداني بل سعت لفرض هيمنة أحادية إقصائية ومهمشة لمكونات الهوية الأخرى . #- وفي تحليل أعمق قدم الدكتور الباقر العفيف في ورقته التي ترجمها المرحوم الخاتم عدلان بعنوان أزمة الهوية في شمال السودان: متاهة قوم سود ذوي ثقافة بيضاء تشخيصاً لافتاً للاستلاب الثقافي في شمال السودان حيث يرى العفيف أن الشخصية السودانية الشمالية تعاني من تعريب قسري واغتراب نفسي ناتج عن محاولتها التماهي مع الثقافة العربية “بيضاء” تاريخياً واجتماعياً في حين أن ملامحها وجبلتها ولون بشرتها سوداء أفريقية . يؤدي هذا التناقض الصارخ بين الذات المُنكرة والصورة المستعارة إلى اعتلال نفسي واغتراب عميق حيث يعجز الفرد عن التعرف على ذاته الحقيقية في المرآة .. وفي كتابه وجوه خلف الحرب يجادل العفيف بأن الحروب السودانية ليست مجرد فوهات بنادق تعوي بالرصاص بل هي وجوه مكسورة ومعانٍ مطموسة ومشاريع سياسية أنكرت التباين والتعدد الثقافي والعرقي للبلاد فأنكرتها الحياة ورغم أن هذا الطرح قوبل ببعض التحفظات النقدية التي رأت في بعض تفاصيله تعميماً إلا أنه يظل واحداً من أكثر التشخيصات جرأة وتأثيراً في تشريح بنية الاستلاب الشمالي . #- تيار الغابة والصحراء إلى أفق السودانية في إطار البحث عن مخرج فني وفكري لأزمة الهوية تأسست في جامعة الخرطوم عام 1962م حركة شعرية وثقافية عُرفت بمدرسة الغابة والصحراء صك الشاعر النور عثمان أبكر هذا المصطلح ليعبر عن تمازج عضوي وهجين يجمع بين العروبة (التي ترمز لها الصحراء) والأفريقانية (التي ترمز لها الغابة) وجادل أبكر بأن الوجود السوداني الاعمق هو عطاء الغاب وان اللغة العربية جري تطويعها لتلائم الايقاع الوجودي للانسان السوداني ونبضه الميتافيزيقي ويشير ببراعة الي الجزور الزنجية العميقة الموجودة في العائلات السودانية الا ان هذه المدرسة مدرسة الغابة والصحراء رغم اثرها الادبي البالغ الا انها تعرضت لنقد بنيوي لاذع بإعتبارها ثنائية هجين تكرس انفصالا ثقافيا وجدانيا حصدت البلاد نتائجه تفتتاً لنسيجها وسهلت انفصال الجنوب ووصفها النقاد بانها حركة فكرية نخبوية حاصرت نفسها في المجازات الشعرية دون ان تملك برنامجا عمليا لتغير الواقع … تأسيساً على هذا القصور برز مفهوم السودانوية كأفق فلسفي وجودي يسعي لتجاوز الاستقطاب الثنائي العقيم وترفض السودانوية اختزال الهوية في بعد احادي اقصائي (عربي ، افريقي ، اسلامي) وتطرح السودان ككيان حضاري قائم بذاته تشكل وجدانه عبر تراكم تاريخي مسيحي اسلامي وثني وهي لا تلغ عناصر التباين والتنوع الثقافي بل تحولها الي مصدر قوة عبر عقد شراكة يعترف بجميع المكونات دون تراتيبة او إقصاء . #- المشروع الحضاري : أدلجة القبيلة وتسييس المعرفة: آليات التفتيت الاجتماعي وتزييف الوعي .. إن غياب المرجعية المعرفية الموحدة في المشهد السوداني قد جرى استغلاله بانتظام وتعميقه بوعي أيديولوجي من قبل الأنظمة المتعاقبة وخلال حقبة الإنقاذ (1989-2019) عبر ما عُرف بـ “المشروع الحضاري”. فقد عمد هذا المشروع إلى ممارسة عملية تزييف ممنهجة للوعي الجمعي من خلال أدوات عدة: أدلجة القبيلة وتسييس التعليم والمناهج وتعميق تسيس الجيش والاجهزة الامنية وتتمثل أدلجة القبيلة في تحويلها من إطار ثقافي واجتماعي يدعم اللامركزية والتنوع إلى مؤسسة عقدية وأيديولوجية مشحونة بالأحقاد والعدوان لتصبح أداة استغلال سياسي ومخزناً للتعبئة العسكرية لمصلحة السلطة وقد أدى هذا التوظيف إلى إضعاف الانتماء الوطني العقدي واستبداله بالعصبية القبلية الضيقة مما خلق بيئة خصبة لنشوء الفوضى والصراعات البينية المدمرة وفي قطاع التعليم مارس المشروع هندسة اجتماعية إقصائية عبر فرض مناهج تؤسس لأحادية ثقافية إسلاموعربية متخلية ومتجاهلة التباين والتنوع الثقافي والتاريخي للأقاليم فقد أقدم النظام على تفكيك هيكلية التعليم العام وإقصاء متعمد للجذور التاريخية أما على صعيد التعليم العالي فقد أُطلقت “ثورة التعليم العالي التي ركزت على الكم والتعبئة الأيديولوجية على حساب الكيف والمعايير الأكاديمية ونتج عن هذه السياسة تراجع مريع في جودة المخرجات التعليمية والأكاديمية وارتفاع هائل في معدلات البطالة بين الخريجين وصولاً إلى ضعف القدرات الإملائية واللغوية حتى لدى النخب الحزبية والصحفية . #- أزمة الفاعلين التاريخية وسؤال البديل المعرفي والسياسي تتجلى أزمة التشظي المعرفي أيضاً في ضعف وهشاشة القوى الحاملة لمشروع التغيير فبناء مجتمع الفاعلية يتطلب فاعلية اجتماعية تمتلك وعياً بديلاً يتجاوز البنيات المعرفية التناسلية (التقليدية القبلية) والبنيات البرجوازية الانتهازية والنخبوية ووفقاً لقوانين التحول الفاعلي فإن انتقال المجتمع من بنية سائدة إلى أخرى إبداعية وخلاقة يتأثر بمدى قدرة الفاعلين على تجاوز مرجعياتهم القيمية والمعرفية الموروثة . #- استراتيجيات تجاوز المأزق التاريخي: نحو فضاء وطني سوداني :- يتضح من مجمل التحليل الاجتماعي والتاريخي الماثل .. حيث أن الخروج من مأزق السودان البنيوي لا يمكن أن يتم عبر تسويات سياسية فوقية هشة بل يستدعي بالضرورة ثورة مفاهيمية تسبق وتصاحب الثورة السياسية والمؤسسية ويمكن صياغة نموذج التحول الهيكلي نحو فضاء وطني سوداني من خلال تتبع عملية الانتقال المعرفي (الإبستمولوجي) من البنى التقليدية الإقصائية إلى البنية الإبداعية الجامعة وفقاً لمنهج التحليل الفاعلي .. ويعبّر نمو الفاعلية الاجتماعية المعرفية عن محصلة التجاوز المعرفي والقيمي للمرجعيات القديمة المتصارعة حيث تمثل البنية الخلاقة الساعية للنهوض بينما تمثل[البنية التناسلية (التقليدية/الطائفية) والبنية البرجوازية الاستهلاكية والصفوية الأنانية] .. إن إنتاج المرجعية المعرفية والهوية السودانية الجامعة لا يقوم على الإلغاء أو الدمج الحسابي البسيط بل يمثل تفاعلاً معرفياً عضوياً غير خطي حيث تمثل الهوية السودانية دالة نوعية تفاعلية لصهر وتكافؤ الأبعاد الأفريقية والعربية والروحانية المحلية الصوفية دون هيمنة أو إقصاء ولتحقيق هذا الانتقال المعرفي والسياسي يتطلب المشهد إقرار سياسات عملية وهيكلية عاجلة :- – عقد اجتماعي منهجي ودستور تعددي ديمقراطي عادل حيث يقر العقد الاجتماعي ودستور البلاد الجديد بالتعدد الثقافي والعرقي واللغوي الواسع ويمنح اللغات المحلية مكانة رسمية بجانب اللغة العربية لإنهاء التهميش الثقافي الوجودي للأقاليم . – هيكلة وإصلاح المناهج التعليمية كلياً: إعادة صياغة المناهج الدراسية الوطنية بأسلوب مهني يستوعب تاريخ وثقافات كل الأقاليم السودانية وحضاراتها (الاسلامية والمسيحية النوبية والأفريقية العريقة) لتحرير الوعي من الأحادية وإعادة ربط الشخصية السودانية بجذورها الحقيقية . – بناء الذاكرة الجماعية المشتركة: تأسيس إعلام وطني متوازن ومفتوح يمنح مساحات عادلة ومحترمة للتعبير عن تطلعات وثقافات كل السودانيين . – العدالة الاقتصادية واللامركزية: تطبيق نموذج صارم للامركزية الإدارية والمالية يضمن التوزيع العادل للثروة والسلطة والخدمات وقطع الطريق أمام النخب الانتهازية التي تستخدم شعارات القبيلة والجهوية والهوية كغطاء للصراع الأناني حول الموارد والامتيازات . إن التأسيس لـمفهوم السودانية كشراكة عقدية وفكرية ومشروع سياسي واقتصادي وثقافي نابع من أسفل إلى أعلى هو السبيل الوحيد لإنهاء صراع الرؤى وتفكيك متاهة الاستلاب .. ومن خلال هذا التحول التاريخي العميق يمكن للسودان أن يتجاوز أزمته الوجودية ويتحول إلى دولة مواطنة ديمقراطية مستقرة مستثمراً موقعه الجغرافي والوجداني الفريد ليكون جسراً حضارياً إنسانياً بين القارة الأفريقية والعالمين العربي والإسلامي . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . اوقفوا الحرب وعود للثكنات .. لا للحرب . اوقفوا الحرب وعود للثكنات .. لا للحرب . م. عبدالملك زكريا علي مايو ٢٠٢٦م شارك تصفّح المقالات انحدار الخطاب الإعلامي في زمن الحرب.. من صناعة الوعي إلى صناعة الكراهية السودان رهينة تجار الدم