محمد علي مهلة…يكتب ▪️ تمهيد: واحدة من حقائق حرب 15 أبريل 2023 التي أشعلتها وأدارتها الحركة الإسلامية الإرهابية؛ لتأمين عودتها الكاملة إلى السلطة، معتقدة أنها عبر الحرب وإعادة سيطرتها على جهاز الدولة ستُشكِّل واقعاً مغايراً لما أرادت أن تمضي إليه ثورة ديسمبر المجيدة. إذ تبنَّت سلطتها ببورتسودان سياسات تقسيم السودان، بممارستها قانون “الوجوه الغريبة”، واستهداف المواطنين على أسس إثنية وجهوية، والاستبدال الجزئي للعملة، وحرمان ملايين المواطنين من الاستفادة من مدخراتهم الاقتصادية، وكذلك حرمانهم من الحصول على الأوراق الثبوتية. كما رفضت سلطة بورتسودان مشروع المبادرة الوطنية لإقامة امتحانات موحدة للشهادة السودانية بجميع أقاليم السودان، كما استغلت سلطة بورتسودان مفهومَي السيادة والشرعية لعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى أقاليم كردفان ودارفور، بالإضافة إلى إجهاضها لمبادرات تحقيق السلام. ▪️ الصراع الاجتماعي يمضي إلى فرز مشروعين ونموذجين للحكم والدولة: عند قراءة هذا الواقع في سياق كامل، تتضح حقيقة أخرى، وهي أن حرب 15 أبريل، التي تمثل امتداداً للحروب التاريخية التي بدأت في العام 1955، قد أوصلت الصراع الاجتماعي إلى مرحلة يستحيل معها استمرار الدولة الموروثة من الاستعمار بشروطها المختلة، والتي تتفق قواها السياسية والاجتماعية المسيطرة على المحافظة عليها باختلالاتها تلك، وتتبنى مداخل إصلاحية غير جذرية في عملية التغيير، ويتركز خطابها على تمظهرات المشكلة، وتتغاضى عن جذور ومسببات الأزمة. وتبرر عملية احتكار استخدام العنف المُجير لإخضاع الآخرين وشن الحروب عليهم. هذه القوى هي الحارسة لمشروع دولة السودان القديم، تلك الدولة التي لم تقم على عقد اجتماعي بين السودانيين، بل وُرثت بشروطها الاستعمارية، ونموذجها المتبقي هو سلطة ودولة بورتسودان. وهناك قوى أخرى ظلت تناهض مشروع الهيمنة والإقصاء والعنصرية المؤسسية والأحادية التي تتسم بها الدولة الموروثة عن الاستعمار. هذه القوى تتبنى نموذج تفكير مغايراً لما هو سائد عند قوى السودان القديم، وتطمح إلى تأسيس دولة جديدة، تُبنى على أسس ومعايير جديدة عادلة، لا على إصلاح الدولة القديمة. ويتركز خطابها على جذور المشكلات والمظالم التاريخية، وتسعى إلى التحرر ووضع الاستخدام الشرعي للعنف في موضعه الصحيح. ▪️ تحالف السودان التأسيسي يبتدع أقوى وسائل التغيير: إن تحالف السودان التأسيسي بدأ البدايات الصحيحة، حيث صاغ المبادئ التأسيسية التي تمثل أهداف الشعوب السودانية في ميثاقه، ثم أتى لتأسيس الدولة وتشكيل الحكومة، وسمَّى هذه الفترة بالانتقالية ما قبل التأسيسية، والتي تبدأ من لحظة التوقيع على الدستور وتشكيل الحكومة، وتستمر إلى الإعلان الرسمي عن انتهاء الحروب في السودان. كما يختلف تحالف السودان التأسيسي عن غيره في ابتداعه لوسائل جديدة، فمعظم التحالفات السياسية في السودان تتبنى وسائل متعددة للتغيير، ومنها: العمل السلمي الجماهيري، والانتفاضات الشعبية المفضية إلى التغيير، والكفاح المسلح، والعمل الدبلوماسي، والتفاوض. إلا أن تحالف التأسيس أتى بالجديد وغير المألوف في العمل السياسي التقليدي في السودان. فبعد أن صاغ ميثاق المبادئ ودواعي تشكيل حكومة السلام – الوطنية منها وتلك المتعلقة بحفظ الأمن والسلم الدوليين – وقَّع التحالف على دستور السودان الانتقالي لسنة 2025، الذي على ضوئه بدأ في تشكيل هياكل ومؤسسات الدولة، مثل: المجلس الرئاسي، ومجلس الوزراء، والهيئة التشريعية التأسيسية، والأجهزة العدلية من النيابة والقضاء، والمؤسسات المستقلة من ديوان المراجع العام ومؤسسات إدارة وتنظيم النقد، والقوات النظامية والخدمة المدنية. وهو بذلك بدأ فعلياً في تأسيس نموذج للدولة والحكم في مقابل النموذج التاريخي للدولة القديمة الذي ورثته سلطة بورتسودان. وباستمرار هذا التأسيس سيكون هناك نموذجان للدولة والحكم، مما سيفرض حلولاً غير تقليدية أيضاً للأزمة في السودان، وسيتجاوز المقاربات والنماذج القديمة للحلول، لأن الواقع الجديد سيخلق نموذج دولة وحكومة لكل منهما مرجعياته وبنيته وتوجهه، وربما تمضي مقاربات الحلول إلى تفاوض البنيتين وبقائهما لفترات محددة، ثم التدرج في بناء الدولة الجديدة الموحدة طوعياً على أسس جديدة، وربما ذهبت الحلول في اتجاه آخر. ▪️ ختاماً: إن نجاح حكومة السلام في تنظيم امتحانات الشهادة السودانية في الأقاليم والولايات التي تقع تحت دائرة اختصاصها ليس حدثاً عادياً، بل يدشن مرحلة جديدة في السودان تؤكد نجاح تيار وطني تأسيسي ديمقراطي جديد في التفكير والعمل بآليات عمل جديدة غير مسبوقة في تجارب التغيير السودانية. والطبع سيكون لهذا النجاح ما بعده في مقاربات الحلول الجذرية للأزمة. فجلوس الطلاب والطالبات في كل من ولايات جنوب دارفور، وشمال دارفور، وشرق دارفور، وغرب دارفور، ووسط دارفور، وغرب كردفان، وشمال كردفان، حدث كبير يكسب حكومة السلام الثقة ويساعدها في بنائها الجديد للنظام الاقتصادي والمصرفي، وحوكمة الإيرادات، وكذلك في قطاع الخدمات الصحية، وقطاع الأمن وسيادة حكم القانون، وتقديم الإغاثة والمساعدات الإنسانية وغيرها من محاور برنامجها. ومن زاوية أخرى، فبالإضافة إلى تحديات التأسيس في ظل استمرار الحرب، هناك تحدٍّ يجابه قطاع التعليم العام، وهو أن هذه التدابير إسعافية، ولا بد من الذهاب إلى وضع استراتيجية للتعليم تتناوله بصورة شاملة: المناهج، والتربية الوطنية، وإعادة كتابة التاريخ الاجتماعي والسياسي للشعوب السودانية، والتعليم الحرفي والصناعي والفني والتقني، والعملية التعليمية وبنيتها التحتية وكادرها البشري، مرتبات العاملين بقطاع التعليم، وغيرها من قضايا التعليم العام. وبالطبع هناك تحديات أخرى بتدابير تخص الممتحنين للشهادة السودانية بعد ظهور النتائج، وذات صلة بمؤسسات التعليم العالي التي ستستوعبهم في الداخل أو الخارج. كما هو معلوم فأن هناك تحدي وجود نموذجين للتعليم داخل مناطق وأقاليم اختصاص حكومة السلام، منها ما تناولناه هنا، والآخر هو نموذج التعليم في جبال النوبة والفونج الجديد الذي أسسته السلطة المدنية للسودان الجديد بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان. وعلى ذكر تحديات التأسيس، فإن دولة السودان القديم الموروثة عن الاستعمار قامت على مرحلتين: الأولى (1899-1956)، ويمكن فيها تناول تأثير مراحل الحكم غير المباشر منذ العام 1922، إلى تشكيل المجلس الاستشاري لشمال السودان عام 1943، والجمعية الوطنية عام 1948، واتفاقية الحكم الذاتي عام 1953. والمرحلة الثانية هي التي تلت خروج المستعمر في 1956 وحتى هذه اللحظة. ما أريد قوله: إن بدايات التأسيس إذا كانت صحيحة، فستكون عبر مراحل طويلة وشاقة، وكل مرحلة تمثل تراكماً للتقدم في الاتجاه الصحيح الذي يحقق الحل العادل والسلام والتنمية المستدامة والاستقرار في نهاية المطاف. 2 يونيو 2026 ▪️ المراجع: – المبادرة الوطنية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية، أبريل 2026 – ميثاق السودان التأسيسي 2025 – دستور السودان الانتقالي لسنة 2025 – جذور المشكلة السودانية وإخفاقات التجارب السابقة لصناعة السلام في السودان – أبكر آدم إسماعيل، 2026 شارك تصفّح المقالات بستان السودان في وردة الشعر؟! السودان بين صوت السلاح ونداء العقل