عبدالعزيز بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ….يكتب يعيش السودان اليوم واحدة من أكثر المراحل تعقيدا وخطورة في تاريخه الحديث وهي مرحلة تتداخل فيها الأزمات السياسية مع التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية بصورة غير مسبوقة حتى أصبح المواطن السوداني يواجه واقعا مليئا بالمخاوف والمعاناة وفقدان الأمل في مستقبل كان يحلم أن يكون أكثر استقرارا وعدالة وازدهارا لقد أصبح من المؤلم أن يرتبط اسم السودان في كثير من المحافل الدولية بالحرب والنزاعات والنزوح واللجوء والانتهاكات الإنسانية بينما يمتلك هذا البلد من الإمكانات البشرية والطبيعية والثقافية ما يؤهله لأن يكون نموذجا للتعايش والتنمية والاستقرار في القارة الإفريقية والمنطقة العربية وعندما ننظر بعمق إلى جذور الأزمة السودانية نجد أن المشكلة لم تكن يوما في تنوع الشعب السوداني أو في تعدد قبائله وأعراقه وثقافاته بل كانت دائما في غياب الإدارة الرشيدة للدولة وفي الفشل المتكرر في بناء مشروع وطني جامع يقوم على المساواة والعدالة والمواطنة وسيادة القانون لقد أثبت التاريخ السوداني أن اللجوء إلى القوة المسلحة لم يكن في أي مرحلة من المراحل حلا حقيقيا للمشكلات الوطنية بل كان سببا مباشرا في تعقيدها وتوسيع نطاقها وإطالة أمدها فكل حرب تبدأ بشعارات كبيرة تنتهي غالبا بمزيد من الدمار والخسائر الإنسانية وتترك خلفها مجتمعات ممزقة وأجيالا تحمل آثار الصراع لسنوات طويلة ومنذ استقلال السودان ظلت البلاد تدور في دائرة مغلقة من الصراعات والانقلابات والحروب الأهلية التي عطلت مسيرة بناء الدولة وأضعفت مؤسساتها وأهدرت مواردها وحرمت ملايين المواطنين من حقهم في الأمن والاستقرار والتنمية إن أخطر ما أنتجته الحروب المتعاقبة ليس فقط حجم الخسائر البشرية والمادية وإنما أيضا ما خلفته من آثار اجتماعية ونفسية عميقة داخل المجتمع السوداني فقد نشأت أجيال كاملة في ظل أصوات الرصاص ورأت النزوح أكثر مما رأت الاستقرار وعرفت الخوف أكثر مما عرفت الطمأنينة وأصبحت الحرب بالنسبة للكثيرين جزءا من الواقع اليومي بدلا من أن تكون استثناء مؤقتا وفي خضم هذه الأوضاع المأساوية يظل المواطن السوداني هو الضحية الأولى والأخيرة فهو الذي يفقد أبناءه وأهله ومصدر رزقه وهو الذي يتحمل أعباء النزوح واللجوء وارتفاع تكاليف المعيشة وانهيار الخدمات الأساسية وتراجع فرص التعليم والعلاج والعمل إن معاناة المواطنين لا يمكن اختزالها في أرقام أو تقارير أو إحصاءات لأن خلف كل رقم قصة إنسانية مؤلمة وخلف كل أسرة نازحة حكاية فقد وحرمان وخلف كل طفل حرم من التعليم مستقبل مهدد بالضياع لقد دفعت النساء السودانيات ثمنا باهظا لهذه الحروب حيث تحملن أعباء النزوح والتشرد وفقدان المعيل وتربية الأطفال في ظروف قاسية كما تعرض الكثير منهن لانتهاكات جسيمة تركت آثارا إنسانية واجتماعية تحتاج إلى سنوات طويلة لمعالجتها أما الأطفال فقد كانوا من أكثر الفئات تضررا إذ وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع لم يختاروه حيث حرم الآلاف منهم من التعليم والرعاية الصحية والحياة الطبيعية التي يستحقها كل طفل في أي مكان من العالم ورغم كل هذه المعاناة فإن الشعب السوداني ظل محتفظا بقدر كبير من الصبر والإرادة والأمل فقد أثبت في مختلف المحطات التاريخية أنه شعب يؤمن بالحرية والسلام والعدالة ويسعى إلى بناء دولة تقوم على احترام الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان والمشاركة السياسية المتكافئة إن التجارب الوطنية والعالمية تؤكد أن السلام الحقيقي لا يتحقق عبر الغلبة العسكرية وإنما عبر الحوار الشامل والاعتراف المتبادل والالتزام بمبادئ العدالة والمساواة واحترام التنوع وإشراك جميع مكونات المجتمع في صناعة القرار الوطني كما أن بناء الدولة الحديثة يتطلب وجود مؤسسات قوية ومستقلة قادرة على حماية الحقوق والحريات وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز وضمان توزيع عادل للسلطة والثروة بين مختلف الأقاليم والمجتمعات المحلية ولعل من أهم الدروس التي ينبغي أن يستفيد منها السودانيون أن التنوع ليس تهديدا لوحدة الدولة بل هو مصدر قوة وإثراء عندما تتم إدارته بصورة عادلة ومتوازنة فالسودان بتعدده الثقافي واللغوي والإثني يمتلك فرصة حقيقية لبناء نموذج وطني قائم على المواطنة المتساوية والشراكة العادلة بين جميع أبنائه إن مستقبل السودان لا ينبغي أن يبقى رهينة للصراعات السياسية والعسكرية ولا يجوز أن تظل الأجيال القادمة تدفع ثمن أخطاء الماضي وحسابات الحاضر فالأوطان تبنى بالإرادة الوطنية الصادقة وبالرؤية الاستراتيجية الحكيمة وبالمؤسسات التي تحترم الإنسان وتحفظ كرامته وتصون حقوقه ومن هنا فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقع على عاتق جميع القوى السياسية والمدنية والعسكرية والاجتماعية والدينية من أجل العمل على وقف الحرب وإنهاء معاناة المواطنين وتهيئة الظروف اللازمة لإطلاق عملية وطنية شاملة تؤسس لسلام دائم وعادل يعالج جذور الأزمة ولا يكتفي بإدارة نتائجها إن السودان في حاجة إلى مشروع وطني جديد يضع الإنسان في مركز الاهتمام ويعيد الاعتبار لقيم المواطنة والعدالة والمساواة ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات ويضمن مشاركة جميع المواطنين في رسم مستقبل وطنهم بعيدا عن الإقصاء والتهميش والصراعات المسلحة فالأمم لا تنهض بالحروب وإنما تنهض بالعلم والعمل والعدالة ولا تصنع مستقبلها عبر البنادق وإنما عبر العقول المستنيرة والإرادات الوطنية المخلصة التي تؤمن بأن الوطن يتسع للجميع وأن السلام ليس خيارا سياسيا فحسب بل ضرورة إنسانية وأخلاقية لا غنى عنها ويبقى الأمل قائما رغم حجم الألم لأن الشعوب التي استطاعت الصمود في وجه المحن قادرة أيضا على صناعة المستقبل متى ما توفرت الإرادة الصادقة والرؤية الحكيمة والقيادة المسؤولة إن السودان يستحق أن يطوى صفحة الحرب إلى الأبد وأن يفتح صفحة جديدة عنوانها السلام والعدالة والتنمية والمواطنة المتساوية وأن يسمع أبناؤه صوت البناء بدلا من صوت الدمار وصوت الحوار بدلا من صوت الرصاص وصوت الحياة بدلا من صوت الموت فالتاريخ لا يخلد الذين أشعلوا الحروب بل يخلد الذين أوقفوها ولا يذكر الذين قسموا الأوطان بل يذكر الذين وحدوها وحافظوا على كرامة شعوبها والسودان في أمس الحاجة إلى العقل والحكمة أكثر من حاجته إلى السلاح وإلى الحوار أكثر من حاجته إلى المواجهة وإلى بناء الجسور أكثر من بناء المتاريس نواصل بمشيئة الله بتاريخ 2/يونيو /2026 شارك تصفّح المقالات حكومة السلام تتأهب لتنظيم امتحانات الشهادة السودانية وتخطو خطوة في ترسيخ النموذج الجديد للتغيير وبناء السودان الجديد أبواق صمود، أزمة التمثيل في السودان: لماذا لا تستطيع نخب السودان القديم بناء سلام مستدام