عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب

 

لماذا يخاف البعض من كلمة السلام أكثر مما يخاف من صوت الرصاص؟

ولماذا أصبح وقف الحرب عند بعض المتحمسين للقتال وكأنه تنازل لا يغتفر بينما يستمر قبول الموت والدمار وكأنهما قدر لا يمكن تغييره؟

ولماذا يصر البعض على إطالة أمد المأساة رغم أن الخراب أصبح مرئيا في كل شارع وكل مدينة وكل قرية؟

وهل أصبح الحفاظ على حياة المواطنين موقفا يستوجب الدفاع عنه بينما يجد دعاة الحرب كل هذا القدر من المساحات والمنابرة

ثم ما معنى الانتصار في حرب تدور بين أبناء الوطن الواحد؟

ومن هو المنتصر الحقيقي عندما تمتلئ المقابر بالشباب وتفرغ المدارس من الطلاب وتتحول البيوت إلى أنقاض ويتحول ملايين المواطنين إلى نازحين ولاجئين؟

إن هذه الأسئلة لم تعد مجرد أسئلة سياسية بل أصبحت أسئلة وجودية تتعلق بمصير السودان نفسه

فالحرب التي اندلعت في السودان لم تعد أزمة سياسية قابلة للاحتواء ولم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة بل تحولت إلى كارثة وطنية وإنسانية شاملة تهدد أسس الدولة وتضرب مقومات المجتمع وتفتح أبواب المستقبل على احتمالات خطيرة لا يمكن الاستهانة بها

لقد تجاوز السودان مرحلة الأزمة ودخل مرحلة الكارثة

والفرق بين الأزمة والكارثة أن الأزمة يمكن احتواؤها ومعالجتها أما الكارثة فإنها تترك آثارا عميقة تمتد لعقود طويلة وتعيد تشكيل المجتمع والدولة بصورة قد يصعب إصلاحها لاحقا

والمؤسف أن هناك من لا يزال يتحدث عن الحرب وكأنها مشروع سياسي مشروع أو طريق مضمون لتحقيق الأهداف بينما الواقع يثبت كل يوم أن هذه الحرب لم تنتج سوى المزيد من الدماء والمزيد من الدمار والمزيد من التشظي الوطني

لقد سقطت آلاف الأرواح وفقدت آلاف الأسر أبناءها وأحبتها وتشرد الملايين داخل السودان وخارجه وتعرضت المدن للتخريب والتدمير وتوقفت عجلة الإنتاج وتراجعت الخدمات الأساسية بصورة غير مسبوقة وأصبحت حياة المواطن السوداني رهينة للخوف وعدم اليقين

ومع ذلك ما زالت هناك أصوات ترفض الاعتراف بحجم المأساة وتتعامل مع الحرب بعقلية المكابرة السياسية وكأن الوطن مجرد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات

إن أخطر ما في الحروب ليس الرصاص وحده بل الثقافة التي تبرر الرصاص والعقلية التي تمنح الحرب شرعية أخلاقية زائفة

فعندما يصبح الموت خبرا عاديا وعندما تتحول معاناة المدنيين إلى أرقام وعندما ينظر إلى الدعوات المطالبة بوقف الحرب باعتبارها ضعفا أو استسلاما فإن المجتمع يكون قد دخل مرحلة خطيرة من التبلد الأخلاقي والسياسي

والحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح ودون مواربة أن البندقية لم تنجح في بناء دولة ولن تنجح

فالبندقية تستطيع أن تهدم لكنها لا تستطيع أن تبني

وتستطيع أن تزرع الخوف لكنها لا تستطيع أن تزرع الثقة

وتستطيع أن تفرض الصمت لكنها لا تستطيع أن تصنع الاستقرار

وتستطيع أن تفتح أبواب المقابر لكنها عاجزة عن فتح أبواب المستقب

إن الدول تبنى بالإرادة الوطنية وبالعدالة وسيادة القانون والمؤسسات القوية والتنمية المتوازنة واحترام حقوق الإنسان

أما الأوطان التي تصبح فيها البندقية هي اللغة الوحيدة فإنها تدخل في دوامة طويلة من العنف والانقسام يصعب الخروج منها

ومن الناحية القانونية فإن حياة المدنيين ليست مادة للتفاوض وليست تفصيلا يمكن تجاوزه تحت أي ذريعة

فالقانون الدولي الإنساني والقيم الإنسانية المشتركة تفرض حماية المدنيين وصون كرامتهم وتوفير الأمن لهم وعدم تحويلهم إلى ضحايا لصراعات القوة والنفوذ

وأي مشروع سياسي أو عسكري تكون كلفته الأساسية هي أرواح المدنيين ومعاناتهم هو مشروع يفتقد إلى المشروعية الأخلاقية مهما كانت الشعارات التي يرفعها

أما من الناحية الإنسانية فإن المأساة السودانية تجاوزت كل الحدود

فالمواطن الذي كان يحلم بتعليم أبنائه أصبح يبحث عن مكان آمن يبيت فيه

والمزارع الذي كان يزرع الأرض ويطعم الناس أصبح عاجزا عن الوصول إلى حقله

والطالب الذي كان يستعد لبناء مستقبله وجد نفسه محاصرا بالخوف وعدم الاستقرار

والأم السودانية التي كانت تنتظر عودة أبنائها من الدراسة أو العمل أصبحت تخشى أن يصلها خبر موت أو فقد أو نزوح

هذه ليست تفاصيل جانبية للحرب

هذه هي الحرب نفسها

هذه هي حقيقتها المجردة بعيدا عن الخطابات والشعارات والدعاية السياسية

إن المواطن السوداني لم يقرر إشعال هذه الحرب ولم يجلس على طاولات اتخاذ القرار ولم يكن طرفا في حسابات النفوذ والصراع

ومع ذلك فهو الذي يدفع الثمن الأكبر

يدفعه من أمنه ومن صحته ومن رزقه ومن مستقبله ومن أعمار أبنائه

ويدفعه كل يوم دون أن يسأله أحد عن رأيه أو عن قدرته على تحمل هذا العبء الثقيل

إن من حق الشعب السوداني أن يسأل

إلى متى يستمر هذا النزيف!

إلى متى تبقى البلاد رهينة للحسابات الضيقة؟

إلى متى يستمر التعامل مع الحرب وكأنها قدر أبدي لا يمكن وقفه؟

وإلى متى يطلب من المواطن أن يتحمل المزيد من الجوع والخوف والتشرد والموت؟

إن استمرار الحرب لم يعد تعبيرا عن القوة بل أصبح تعبيرا عن الفشل في إيجاد حلول سياسية مسؤولة

ولم يعد دليلا على الصمود بل أصبح دليلا على عجز النخب المتصارعة عن إدراك حجم الكارثة التي صنعتها

فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على مواصلة الحرب بل في القدرة على إيقافها

والشجاعة الحقيقية ليست في إطلاق الرصاص بل في اتخاذ القرار الصعب الذي ينقذ الأرواح ويحفظ الوطن

إن السودان بحاجة إلى صوت العقل أكثر من أي وقت مضى

بحاجة إلى مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار لقيمة الإنسان

بحاجة إلى حوار يضع مصلحة الشعب فوق مصالح الأطراف

بحاجة إلى إرادة سياسية وأخلاقية تعترف بأن لا شيء يبرر استمرار هذه المأساة

ففي الحروب الأهلية لا يوجد منتصر حقيقي

وكل من يعتقد أنه سيخرج منتصرا من وطن مدمر إنما يخدع نفسه

لأن الوطن عندما ينزف يخسر الجميع

وعندما تنهار الدولة يخسر الجميع

وعندما تتفكك الروابط الاجتماعية يخسر الجميع

وعندما يموت الأمل في نفوس الناس يخسر الجميع

ولهذا فإن وقف الحرب ليس هزيمة

بل هو أول انتصار حقيقي

انتصار للحياة على الموت

وانتصار للعقل على التهور

وانتصار للوطن على مشاريع التمزق والانقسام

وانتصار للمواطن الذي دفع من عمره وكرامته وأمنه ما يكفي من الأثمان

لقد آن الأوان لأن يرتفع الصوت الوطني الصادق عاليا

 

كفى حربا

كفى دمارا

كفى نزوحا

كفى استهانة بدماء السودانيين

فالسودان لا يحتاج إلى المزيد من البنادق بل يحتاج إلى المزيد من الحكمة

ولا يحتاج إلى المزيد من المعارك بل يحتاج إلى المزيد من العدالة

ولا يحتاج إلى المزيد من الكراهية بل يحتاج إلى المصالحة الوطنية وبناء الثقة واستعادة معنى الوطن

إن التاريخ لن يذكر عدد المعارك التي خيضت بقدر ما سيذكر من أوقف المأساة ومن أنقذ الأرواح ومن انتصر للإنسان في زمن الحرب

وسيظل السؤال الأخلاقي والوطني قائما أمام كل من يدافع عن استمرار القتال

إذا كان الوطن يحترق والمواطن يموت والمدن تتهاوى والأجيال تضيع

فأي انتصار هذا الذي يتحدثون عنه

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

4/يونيو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *