عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب

 

في خضم الحرب المدمرة التي يعيشها السودان منذ أكثر من ثلاثة أعوام تتواصل المآسي الإنسانية وتتسع دائرة المعاناة لتشمل كل جوانب الحياة غير أن أكثر ما يبعث على القلق ليس حجم الدمار الذي أصاب المدن والقرى ولا حجم الخسائر الاقتصادية فحسب وإنما الخطر الذي يهدد جيلا كاملا من الأطفال والشباب الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع قاسي حرمهم من أبسط حقوقهم الأساسية وعلى رأسها الحق في التعليم

 

لقد أثارت امتحانات الشهادة السودانية التي جلس لها عدد من الطلاب والطالبات في مناطق مختلفة من البلاد جدلا واسعا بين مؤيد ومعارض وظهرت أصوات تصف هذه الامتحانات بأنها خطوة نحو الانفصال أو أنها تمثل تكريسا للانقسام السياسي والعسكري القائم في السودان

 

غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل المواقف السياسية وكل التحليلات الإعلامية هو هل الطلاب الذين جلسوا لهذه الامتحانات يحملون السلاح وهل هم أطراف في النزاع وهل تقع عليهم مسؤولية الحرب أو استمرارها

 

إن الإجابة الواضحة هي أن هؤلاء الطلاب ليسوا صناع الحرب بل ضحاياها فهم جيل وجد نفسه بين أنقاض المدارس وأصوات المدافع ومرارة النزوح وفقدان الاستقرار ومع ذلك تمسك بحقه في التعليم باعتباره نافذته الوحيدة نحو المستقبل

 

ومن هنا فإن النظر إلى الامتحانات باعتبارها قضية سياسية مجردة يتجاهل حقيقة قانونية وإنسانية أساسية وهي أن التعليم حق أصيل من حقوق الإنسان لا يجوز تعليقه أو مصادرته بسبب النزاعات المسلحة أو الانقسامات السياسية أو الأوضاع العسكرية

 

لقد نصت المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 على أن لكل شخص الحق في التعليم كما أكدت المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 حق كل فرد في التعليم باعتباره من الحقوق الأساسية اللازمة لصون الكرامة الإنسانية

 

كما أكدت المادة 28 من اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 حق الطفل في التعليم وألزمت الدول باتخاذ التدابير الكفيلة بضمان ممارسة هذا الحق دون تمييز بينما نصت المادة 17 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب لعام 1981 على حق كل فرد في التعليم باعتباره حقا أساسيا لا يجوز الانتقاص منه

 

وتؤكد المادة 11 من الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل لعام 1990 ضرورة حماية العملية التعليمية وضمان استمراريتها حتى في الظروف الاستثنائية وحالات النزاع المسلح

 

إن هذه النصوص القانونية لم تضع الحرب سببا لإلغاء التعليم ولم تجعل الأطفال رهائن للخلافات السياسية والعسكرية بل جاءت لتؤكد أن حماية التعليم واجب قانوني وأخلاقي وإنساني يقع على عاتق الجميع

 

فالحروب مهما طالت تنتهي والأنظمة مهما تغيرت تزول والنزاعات مهما تعقدت تجد طريقها إلى التسوية لكن الأجيال التي تحرم من التعليم تدفع الثمن لعقود طويلة وقد تجد نفسها أسيرة للفقر والتهميش والعنف والحرمان

 

إن الطفل الذي يحمل كتابا اليوم أقل عرضة لحمل السلاح غدا والطالب الذي يجلس إلى مقعد الدراسة أكثر قدرة على بناء وطنه من الذي تدفعه الظروف إلى اليأس والانقطاع عن التعليم

 

ولهذا فإن حماية حق الطلاب في أداء الامتحانات ليست انتصارا لطرف سياسي وإنما هي انتصار لحق الإنسان في التعلم وانتصار لمستقبل السودان نفسه

 

فالأمم لا تبنى بالبندقية وحدها ولا تنهض بالشعارات وحدها وإنما تبنى بالعقول المتعلمة وبالأجيال التي تجد فرصة عادلة للتعليم والإبداع والمشاركة في بناء أوطانها

 

إن المعركة الحقيقية التي ينبغي أن يخوضها السودانيون اليوم ليست ضد الطلاب الذين يبحثون عن مستقبلهم وإنما ضد الحرب التي سرقت طفولتهم وأغلقت مدارسهم وهددت أحلامهم

 

ولذلك فإن الواجب الوطني والإنساني والقانوني يقتضي حماية العملية التعليمية وتحييدها عن الصراع والعمل على ضمان استمرارها في كل مكان لأن إنقاذ طالب واحد من الجهل هو مساهمة في إنقاذ وطن كامل من مستقبل مجهول

 

فالتعليم حق لا يوقفه الرصاص وحق لا تلغيه الحرب وحق لا يجوز أن يكون ضحية جديدة في وطن أنهكته الصراعات وتطلع أبناؤه إلى السلام والعدالة والحياة الكريمة

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

8/يونيو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *