عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب

 

في كل الحروب يسقط ضحايا وتدمر مدن وتنهار مؤسسات لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الحرب من مواجهة مسلحة إلى اعتداء شامل على كرامة الانسان وحقوقه الأساسية وعندما يصبح المدني هدفا مباشرا للخوف والجوع والتهجير والحرمان من العلاج والتعليم عندها لا تكون الحرب مجرد نزاع مسلح بل تصبح هزيمة كاملة للانسانية

 

ما يشهده السودان منذ اندلاع الحرب يمثل واحدة من أكثر الصور قسوة في تاريخ الانتهاكات المعاصرة حيث لم تعد المعاناة تقتصر على ساحات القتال بل امتدت إلى البيوت والمدارس والمستشفيات ومعسكرات النزوح ومخيمات اللجوء فأصبح ملايين المدنيين يدفعون ثمن حرب لم يكونوا طرفا فيها ولم يحملوا سلاحا ولم يشاركوا في إشعالها

 

ورغم فظاعة المشهد فإن القانون الدولي لم يترك الانسان دون حماية فقد وضعت البشرية بعد تجارب دامية منظومة قانونية متكاملة تؤكد أن الانسان يظل صاحب حقوق أصيلة حتى في أحلك ظروف النزاعات المسلحة وأن الحرب لا تمنح أي طرف حق الاعتداء على المدنيين أو حرمانهم من حقوقهم الأساسية

 

تأتي اتفاقيات جنيف لعام 1949 في مقدمة هذه الحماية القانونية وهي اتفاقيات ملزمة للسودان وتحظر بصورة قاطعة القتل خارج القانون والتعذيب والمعاملة القاسية وأخذ الرهائن والاعتداء على الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية كما عزز البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 هذه الحماية في النزاعات المسلحة غير الدولية مؤكدا واجب حماية المدنيين والجرحى والمرضى ومنع تهجير السكان قسرا أو تعريضهم للأذى

 

كما يظل القانون الدولي لحقوق الانسان ساريا أثناء النزاعات المسلحة فلا تسقط حقوق الانسان بمجرد اندلاع الحرب بل تبقى الدولة والأطراف المتحاربة ملزمة باحترام الحق في الحياة والكرامة والمحاكمة العادلة والصحة والتعليم والحماية من التعذيب وسوء المعاملة

 

وعلى المستوى الأفريقي أكد الميثاق الأفريقي لحقوق الانسان والشعوب لعام 1981 أن لكل انسان حقا أصيلا في الحياة والأمن والكرامة كما رسخت اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية الخاصة باللاجئين لعام 1969 حق الحماية لكل شخص اضطر إلى الفرار بسبب الحرب أو العنف أو الأحداث التي تهدد النظام العام

 

ومن بين جميع الحقوق التي كفلتها هذه المواثيق تبرز حقوق لا يجوز المساس بها تحت أي ظرف وتعرف بالحقوق غير القابلة للانتقاص وفي مقدمتها الحق في الحياة والسلامة الجسدية فالاستهداف المباشر للمدنيين والقتل خارج نطاق القانون والاختفاء القسري والتعذيب تمثل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي وترقى في كثير من الحالات إلى جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية

 

كما أن الحق في الكرامة الانسانية يظل خطا أحمر لا يمكن تجاوزه فالقانون لا يحظر التعذيب الجسدي فقط بل يحظر أيضا الترهيب والإذلال والترويع النفسي واستهداف أفراد الأسرة واستخدام الخوف وسيلة للعقاب أو الانتقام لأن الأذى النفسي لا يقل خطورة عن الأذى الجسدي

 

ويأتي الحق في الصحة باعتباره من أكثر الحقوق تعرضا للانتهاك خلال النزاعات حيث أدى انهيار المؤسسات الصحية واستهداف المرافق الطبية وعرقلة وصول العلاج إلى تعريض حياة الآلاف للخطر بينما يوجب القانون الدولي توفير الرعاية الصحية للمدنيين وضمان وصول الدواء والعلاج دون تمييز

 

أما التعليم فقد كان من أكبر ضحايا الحرب في السودان إذ حرم مئات الآلاف من الأطفال من الدراسة وانقطعت سنوات كاملة من أعمارهم التعليمية بسبب النزوح والخوف وانعدام الأمن ورغم ذلك فإن القانون الدولي يعتبر التعليم حقا أساسيا لا يجوز تعطيله ويؤكد ضرورة استمرار العملية التعليمية حتى في ظروف النزاعات والطوارئ

 

وعندما يضطر الانسان إلى مغادرة وطنه هربا من الحرب والعنف فإن حقه في طلب اللجوء يصبح حقا قانونيا وإنسانيا مكفولا بموجب القانون الدولي ويترتب على ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يمنع أي دولة من إعادة شخص إلى مكان قد يتعرض فيه للقتل أو الاضطهاد أو التعذيب أو الخطر الجسيم وهو من أكثر المبادئ رسوخا في القانون الدولي المعاصر

 

إن ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية بل هو قصص يومية لمعاناة بشر فقدوا الأمن والاستقرار والتعليم والعلاج وفرص الحياة الكريمة وهو واقع يكشف حجم الفجوة بين النصوص القانونية الرفيعة والانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها المدنيون على الأرض

 

ومع ذلك فإن وجود الانتهاك لا يلغي وجود الحق ووجود الجريمة لا يسقط المسؤولية فكل اعتداء على المدنيين وكل حرمان من العلاج أو التعليم وكل حالة تهجير أو تعذيب أو استهداف بسبب الرأي أو المهنة أو الانتماء تظل أفعالا محرمة قانونا وتبقى قابلة للمساءلة والمحاسبة مهما طال الزمن

 

إن انتصار السلاح على القانون لا يصنع سلاما وانتصار القوة على العدالة لا يبني وطنا وما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيدا من البنادق بل مزيدا من احترام الانسان وحقوقه لأن الأوطان لا تحفظها فوهات البنادق وإنما تحفظها العدالة والحرية والكرامة وسيادة القانون

 

فإذا كان القانون قد وجد لحماية الانسان فإن التخلي عنه في زمن الحرب يعني أن الحرب لم تهزم الضحايا وحدهم بل هزمت الانسانية كلها

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

9/يونيو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *